لا روزنامة أخرى على الحائط

السبت 2014/12/27

سننصبُ خيمتنا الليلةَ بخاصرة أوشال السنة. سيكون طعم العشرة الأواخر العزيزات من كلّ عام مختلفا.ثمة رغبة قوية بإيقاف الزمن قبل وقوفك على حيلك، ونزع الوريقة الأخيرة من روزنامة الحائط. طعم هذه الأيام طيّبٌ ومنعشٌ، تماماً مثل لذّة الساعة المستعادة من بنك التوقيت الشتويّ الثمين.

ستكون التلفزيونات رحيمة في عرض شرائطها. شرائط حبّ وسلام وألوان وومضات ملونة ترقص فوق شجيرات عيد الميلاد المجيد. ثلجٌ كثير يرشّهُ الله فوق أرضهِ، وخمرٌ أحمر معتّق من عنبٍ وفيرٍ، داستْهُ أرجل الحسناوات، فصار كثيرهُ مثل قليله، فيه لذّة وعافية للشاربين.

كائنات الأفلام هذه الأيام الرائعة لا تموت ولا تنجرح، وبطل الفيلم والثانويون والكومبارس كلّهُ سيبقى مسجلاً في دفتر الحياة، كما لو أنّ واحدهم مثل توم وجيري، تدوس على صدره حادلة ضخمة فيتكسّر ويتطوّى، وقبل نزول دمعة فائضة من عين نؤاس، سيلملم السيد توم جسده ويقوم على طولهِ، فينتجُ وجيري الحيّال، متوالية ضحكٍ عظيم.

أيام وليال تخلو تماما من مشاهد مصّاصي الدم ورعب الهولوين وشمّامي الهيروين، وشقاوات المافيا من أبناء وحفدة كورليوني المُلهِم.

أحياناً يقتلُ واحدُنا السنةَ كلها بالتنبلة وبالتثاؤب الذي قد يصل حدَّ شقّ الحلق، لكننا نتمسمر ونتبسمر على باب ناقوطها الأخير، ونتوسّل به كي يقفَ قليلاً ويمنحنا فرصة ضائعة، لإنجاز قصة أو مقصوصة أو لوحة أو قصيدة تائهة، سيحسبها النَقَدةُ البطرانون على ورق عامك التالف.

في السنة الثلجية الجديدة التي أفتى العالِم المجتهد عبدالإله الصايغ، بأنها عامٌ مذكّر يُتفاءل به وليس سنة مؤنثة منحوسة يُتشاءم بمطلعِ خلقتها، سأرفضُ بتهذيبٍ عالٍ روزنامة الكتبيّ الطبّاع سامي طليعة، وأكنس من حائطي ساعة البلبل النطناط.

سأتوقف عن طرح الأسئلة الكونية السخيفة التي تتصل برواسخ حياتي الماجدة. سأُعيد تدوير وإنتاج ملحمة ” الطزّ” بتضييف حشدٍ كبيرٍ من أسماء الصحب والأكل والمدن والكتب والكؤوس والخسارات.

سأواصل الإيمان بأنَّ الرارنج النارنج وضوعهُ الإلهيّ، هو الإضافة العظيمة الوحيدة التي جعلت صحن منقوع اللبلبي الفائر بسرّة عربانة مهيبةٍ تتفرّج على جدارية جواد سليم، يصمد بمنزلتهِ الأبدية.

سأصمُّ أذنيَّ عن مسموعات ومناحات وطقاطيق وفراقيات وبحّات حناجر أهل الرافدين المجاريح. سأدقُّ أوتاد خيمتي بباب مفوضية اللاجئين المتعوسين، وأُموسقُ بالصوت وأدوزنُ بالصورة: أيّها الأجاويد، أريدُ وطناً بديلاً، به مدينة ليس بالضرورة تُشبهُ بغداد الضائعة. شكراً.

24