لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة

السبت 2013/09/28
خالد خليفة يكتب رواية عن الأسى والخوف والموت الإنساني

من البداية في رواية "لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة" لخالد خليفة، الصادرة عن دار "العين" (القاهرة 2013) يلوح لنا خالد بنقص الأوكسجين، وموت خفيف ينتقل من فم إلى فم كشائعة هائلة، وحالة المدينة (حلب) التي تحولت بفضل "الأب القائد، قائد الحرب والسلم، حكيم العرب، الرياضي الأول، القاضي الأول والمهندس الأول.." إلى عصابات جانحة تزداد تشرذماً وجنوناً دموياً. ولا أحد يريد أن يرى أن ثمة إرادة لتدمير المدينة، من قبل تلك الشبكة الرهيبة التي نسجها النظام داخل المدينة وخارجها. خمسة فصول كانت كافية لرسم الطابع العام للمدينة بعد انقلاب مارس 1963، المصادف لتاريخ ميلاد الأخ الأصغر الراوي الشاهد على مصائر وتحولات شخوص الرواية.

من أجواء رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" نقرأ هــذا المقطع المثبت على ظهــر الغلاف "لا سكاكين في مطابــخ هذه المدينــة، ليست مجرد روايــة بل هــي حفر عميــق في آليات الخوف والتفكك خلال نصف قــرن، كــما هي رواية عن مجتمع عاش بشكل متــواز مع البطش والرغبات المقتولـة، عــبر سيرة عائلة اكتشفت أن كل أحلامها ماتت وتحولت إلى ركام كما تحوّلت جثـة الأم إلى خـردة يجـب التخلـص منهــا ليستمــر الآخــرون في العيــش".


من هو المسؤول


الرواية تعالج بالدرجة الأولى الجدل الذي ينشب حول من هو الفاعل، من هو المسؤول، القبور على مصرعيها كأبواب مدينة مواربة يسكنها ملك بلا حراس، وجنرالات ظالمة بلا أوسمة، وفقراء يشبهون الرغيف من جوعهم الأزلي.‏‏‏ مزاريب تطبطب على أكتاف المارّة، برك طافحة بالعطن الأزرق.

قد تكون اتفقت أو اختلفت في شروط الانبثاق والتحقق الموازية لتوافق ثوابت ما يعرف بــ (نسق التعايش)، القابلة للإنبثاق في كل أوان و تشكيل حياة موزاية أخرى، فالفضاء العام للمدينة صار ممسوساً ولعيناً وشيطانياً.

"سوسن" ترسم حدود انتمائها إلى حلب، في مكان واحد، محل أو ثقب، ربما في جدار، أو في خيال، لتكتب حكاية الحرق ثم البعث، لتعود بعد كل غرق، وكل موت، وكل ضياع، إلى حلب.

و"نزار" المثلي يتمسك بما في يده ليحلم، معلناً فرحته بالظمأ الأخير، في الرحلة القدرية، ما بين حلب وبيروت في طرف العلاقة المكان وظلال، وباريس المتخيّلة بما ترسمه الذاكرة. قبل التخشب والزوال، إنه جزء من هزال الوضع كله، جزء من السخف الذي وصلنا إليه.

غلاف رواية "لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة"

أما "منذر" فهو جنرال مهزوم يقع في الخرافة، ولا يكتشف إلا متأخراً، أنه يعاكس اتجاه الريح، في ارتحال الروح إلى غايات المتجرد من الغاية، في قمة النبل، وقمة الاقتدار على الانطلاق، و"رشيد" يعتبر التجربة الجمالية للموت اكتساباً للحياة معنى وشكلاً، وهذا ما يجعل الموت لديه محبوباً ومرغوباً فيه، ويكشف عـن قــوة داخلية لديه شبيهة بقوة (أورفيوس)، تلـك التي أسعفته في بلوغ المهاوي الكبــرى للمــوت في محــاولة لاستعادة معشوقته "يوريديكي"، و"الرفيق فواز وأخوته" زعران متجمهرين جراداً ، يتلون بذاءة ولطشا، متشدقين بفحولة منتحلة، يقرطون الشفة السفلى، يتلابطون يتناطحون مستفزّين الدغل والبرّية.‏‏‏‏

الرواية تعصف باللغة وتطالبها بترجمات فورية لما يحدث من فورانٍ جسدي لا يترك للكلمات ولا للقارئ فرصةً لالتقاط الأنفاس، والتمرُّغ برغبات الجسد واستيهاماته.


اللغة والجسد


اللغة هنا تصنع بالجسد ما يصنعه الجسد بها. إنه مثلها: ثائر وعاصف ومحطم ومتهالك. نادراً ما تهدأ هذه اللغــة الجـارفة عن أدائها اللاهث في خدمـة الرغبــة التي تتحول إلى حالة إيروتيكية طاغيـة: "تثير فيه شهوة حارقة، تخلع قميصها وترمي ألبستها كمجنونة في فضــاء الغرفة، تثبتــه مــن كتفيه وتركبه كحصـان بـري، تتركــه مهــدود القــوة".

تهدأ اللغة في بعض المقاطع، وهو ما يسمح بتسرُّب تفاصيل أخرى تُخرج الرغبات الجسدية من حبس اللغة إلى فضاء الواقع. هكذا، يتحرر النص من هديره لمصلحة جملة أقل صخباً: "عبرت سوسن عن ضيقها من صورة حلب الجديدة، الخوف الذي ساهمت مع رفاقها في نشره بدأ يحاصرها، لم تعد تجرؤ على ارتداء التنورات القصيرة، ولحماية نفسها من المتحرشين تضع في حقيبتها سكيناً كبيرة وحادة، بعد تسليم مسدسها لفرع الأمن".


انفلات من القبضة


في نص خالد خليفة هناك ما خرج عن قبضته، هناك التوق إلى التوحد بما هو ليس موجود، والأمل في إعادة تكوين الأحداث، وهناك خيبة كبيرة مما هـو ماثل وهناك الريبة مما سيكون، وهناك النبـؤة غير واضحة الملامح، بهذه اللغة الكاشفـة تمثل الرواية التجسيد عينه لما وراء الثقافـة ولما وراء الدين، وتسييجه بما يهزم تاريخاً كاملاً من الخـوف.

وكأنه يريد أن يقول ما يحدث هو المزيد من الجنون الذي يستدعي الجنون الآخر. التدهور الذي يقابله تدهور ثان، الجنون المنظم سيبتكر دائماً. سيرمون دائماً مزيداً من الموت ومزيداً من تحديث الموت.

16