لا سياسة بلا صدق ولا نزاهة بلا شفافية

الخميس 2014/07/31

لو عمل السّياسيّون، والإخوان الذين قالوا إنّهم مسلمون، لو عملوا بمفهوم ودروس الأمثلة الشعبيّة، وما أكثرها وأعمق حكمها، لو فعلوا لأمن النّاس شرّهم أو بعضه، ولحسنت أحوالهم وصلح الجميع.

تقول بعض هذه الأمثال: الجمل لا يرى إعوجاج رقبته أو يرى الشّعرة في عين جليسه ولا يرى العمود في عينه، أو هذا المثل الذي كثيرا ما تردّده النّساء إذ يقلن: إذا ضرب ابنكم ابننا، يا شؤم النّهار، أمّا إذا ضرب ابننا ابنكم، فتلك حال الصّغار. كلّ هذه الحكم يلخّصها قول الشاعر:

لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

ليس سرّا، لأنّ الجميع يعلمه، وهو أنّ السّياسيّين يقولون ما لا يفعلون. غير أنّ أكثرهم يقظة وفطنة، يشرح، ِبَقَدر، برامجه وما ترمي إليه، مركزا كلّ التركيز على ما يرتئيه مفيدا وجذّابا للمريدين والأنصار، وهذا أضعف الإيمان. لأنّه على قلّته، مفقود لدى الإخوان، البعيدين عن الأخوّة، إذ كلّ ما نسمعه منهم، ومن كوكبة التنظيمات التـابعة لهم والسّائرة على نهجهم، هو تطبيق الشّريعة، كما لو كانت غير مطبّقة لدينا. أم هي شريعة أخرى غير شريعتنا؟ هبـها كذلك! أليس من حقّ المواطن أن يعلم تعاليـم الشريعة التي يراد انتصابها؟ ومعرفة طريقة تطبيقها؟ أبالإقناع والشّرح واللسان اللّيّن، أم بالفرض والإكراه والعنـف، كما يفعلون في العراق وسوريا وليبيا؟ قالوا إنّهم مسلمون! إن كان حقّا فكتاب الله يقول: لا إكراه في الدّين، فذكّر إنّما أنت مُذكّر لست عليهم بمسيطر، وإنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء، وغير هذا كثير، يؤكّد معظمه سماحة الإسلام وتسامحه، ووصاياه بالحوار واللّين وحسن السّلوك وطيّب المعاملة.

يبدو أنّ شريعة دعاة هذا العصر غير التي عرفناها. فلمَ يا ترى لا يتكرّمون بعرضها علينا، وشرح بنودها حتّى يهتدي من يريد الهداية؟ لعلّه من الأفضل أن نخرج من بوتقـة الدّيـن والشّريعـة والعقيدة، ونـأخذ مكانا على مسرح السّياسة والحكم، وهو هدفهم ومبتغاهم، ومجال تسيير شؤون الآخرين. إذا فعلنا هذا، وجب اتّباع أسس واحترام قواعد متّفق عليها عالميّا، من أولويّاتها حرّيّة الإختيار، وهذا يفرض على أيّ عارض رأي، باحث عمّن يختاره ويعمل برأيه، كثير الوضوح والشّرح والإفهام، مع اتّباع الصّدق والشفافية، خاصّة وأنّ العالم أصبح من زجاج، فلا تخفى على الشّعوب فيه خافية، ممّا يجعل الصّدق والصّراحة أكثر فائدة وأثمر. ليقل لنا الإخوان، والذين يهيمون في فلكهـم، مـن جهاديّين وأنصار وسلفيّيـن، من هم حلفاؤهم، ولـو أنّ الجميع يعرفهـم، وأين يجتمعون بـهم، وبمـن اتصلوا ويتّصلـون، وعلى أيّ رأي أو برنـامج أو عمل هم متّفقـون؟ لم يعد يخفى على النّاس شيء من هذا، كما سبق القول، فوسائل الإعلام والإطلاع كثرت وتنوّعت، والدّول المتقدّمة المتحضّرة تسابقت في مجال حرّيّة الإعلام، وفي الاعتـراف بحقّ تلقّي الأخبار والإطّلاع عليـها.

فما بالعهد من قدم، خلال الشهـر الماضي، «أفرجت» إحدى الدّول العظمى عمّا فاق مئات الصّفحات والوثائق، كانت مصنّفة سرّيّة فأصبحت ملك العموم. لم تخل هذه الوثائق من أخبار الإخوان، بل فيها الكثير ممّا يتعلّق بهم وبقادتهم. أعمال ولقاءات واتصالات واجتماعات، أخفاها الإخوان حتّى عن أنصارهم وأتباعهم المقرّبين، ولا ندري لمَ أخفوها. هل يخشون تبعيّة علاقاتهم لما وراءها ممّا لا يُرضي الضّمير؟ نحن لا نرى عيبا في أن تكون لحركة أو حزب أو دولة، علاقات ومتعاملون، إذا ضمنت شفافيتها، وكانت علاقة بريئة، فيها منافع ومصالح مشتركة واضحة بيّنة. لكنّ التستّر والإخفاء يثيران الشكوك والشبهة.

لذا فقد حان لمن نصّبوا أنفسهم، بالقوّة والعنف وسيل الدّماء البريئة، وادّعوا أنّهم حماة دين، وهم على الدّين معتدون، وجعلوا من أنفسهم مبشّرين بمعتقدات كلّها زور وتزييف، دعاة تشريعات لم يأت بها قانون، هم وحدهم بها مؤمنون، حان لهم أن يتركوا الفرض والإكراه والعنف والتقتيل، وأن يسلكوا سلوك المهتدين، وليتّبعوا سبيل اليقين، سبيلا أوصى به كلّ معتقد ودين، وأصبح نهجا ينهجه الرّاغبون في العمل والنشاط من أجل الآخرين.

إنّه أساس من أسس العمل، في حقل السّياسة والمؤسّسات التي لها علاقة بالجماهير والشعوب. لخّصنا قبل حين شروط ذلك السبيل وأسسه، ونعيدها فنقول، شفافية وصدق ووضوح معالم، والتركيزخاصّة على تبيان مصدر أو مصادر التمويل، لأنّ المال قوّام الأعمال، ومن موّل حكم وتصرّف.

إنّنا شعوب غير ذات خبرة في ثقافة الدّيمقراطيّة وضروريّاتها، فلا بأس إذن أن ننظر حولنا، ونعتبر ونتعظ، بخبرات وتجارب من سبقونا في مثل هذه المغامرة، كي لا نقع فيما وقعوا فيه وتحمّلوا تبعاته. تبعات لم تقتصر على نفورالجماهير، بل هي قضايا لدى المحاكم تزداد عددا يوما بعد يوم، لمحاسبة ومحاكمة من لم يصدقوا، وأخفوا وزوّروا، حتى كشفت الأيّام أو الصّدف خباياهم، فأصبحوا أمام المحاكم يقاضون، في بلدان ليست غريبة عنّا ولا بعيدة، مثل فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، وغيرها.

هل يُبرئ الكلام مرض الجذام؟ مثلنا الشعبيّ يقول: كلمة في الصّباح وأخرى في العشيّة تصير بها المسلمة يهوديّة. لكن، دون بلوغ ذلك الحدّ، ليس وراء ما نكتب أو نقول سوى التنبيه والذكرى التي تنفع المؤمنين، وكذلك السّياسيّين، لأنّ ما قلناه للإخوان ومن سار على خطاهم، ينطبق على كلّ السّياسيّين، وكلّ المسؤولين عن أيّ تنظيم يريد خدمة مجتمع ما، أو تمثيل جماعات والعمل نيابة عنها. لأنّ تلك الجماعات وتلك الجماهير، لا تريد إلا الصّدق في القول، والنّزاهة في العمل، وشفافية المقصد والحساب. فإن عوملت بغير ذلك، لا أحد يعلم أيّ منقلب تنقلب يوم تثبت الإدانة وينعدم الصّبر.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8