لا شعر على وجه الخائن

الثلاثاء 2014/04/22

في يوم لندني ممطر وفي بهو فندق اعتاد الإقامة فيه رحالة القطارات، التقيت بشخصين طلبا لقائي للأهمية، وبما أنني لست مهما فقد رحبت بحرارة: من ذا الذي يهتم بلقائي ولا يجد مني الترحاب؟

تراخى الاثنان أمامي أحدهما يصارع جيناته كي تنبت له شعيرات متفرقة على سفح وجهه القوقازي، والآخر بلاه الله بعينين جاحظتين وقدرة عجيبة على زرع عدم الثقة لدى مجالسه. كانا أقرب إلى أن يكونا ثنائيا من ذكر وأنثى لا من الجنس نفسه. بدا على الإثنين أنهما في مهمة مقدسة، ودار الحديث عن لندن وجمالها باعتبارها مدينة متحررة. استدراج فاشل لي للحديث عن موقفي من لندن وتوطئة بدائية تمكنهما من طرح أسئلة شخصية.

قطعت الطريق عليهما بقولي: كيف تكون جميلة، أنظر الجو في الخارج مطر وحافلات تسد المنظر، وسكارى معتوهون يتشاجرون مع أنفسهم وهم يسيرون، ونساء بلا طلعة تسرّ الزائر ولا مخبر يشبع المقيم. تظاهر الشاب الذي تكره بصيلات شعره بعضها بعضا وترفض الانتظام في كتلة واحدة بأنه لم يسمع، وقال لي: هيا ندخل في الموضوع. ما هو الموضوع. قال لي الأمرد إنهما يريدان العمل ضد النظام ويريدان مساعدتي. قلت ماديا لا يمكنني، معنويا أيضا لا يمكنني، لكن بالنصيحة أقول لكما كان غيركما أشطر.

وطفقت أشرح لهما كيف أن أي تغيير لواقع الحال في بلدهما لا ينجح إلا إذا كان من الداخل، وأن من في الخارج ليسوا سوى أصوات إعلامية تنشر المعلومة الموجهة إلى الغرب، بينما من في الداخل يعرفون النظام أكثر ممن يقيمون في الخارج. وبدأت أتفنن، وبشهوة عارمة في التنكيل بهما، قائلا إن عليكما كمناضلين وبطلين أن تعودا وتعملا في الداخل، وأن يرتبط عملكما بالنصيحة الطيبة والبعد عن التحريض على العنف والكراهية، وأن تلتزما بسلمية العمل ونقائه.

نظر ذو العينين الجاحظتين نحوي وشكرني على النصيحة، لكنه قال وهو يشد سترته من تحت زميله أنهما سيبقيان في بريطانيا وسيلقنان النظام درسا لن ينساه، ويفضحان تعدياته على حقوق الإنسان. قلت كان الله في عونكما يا بطلي العبور إلى ضفة الديمقراطية. مضيا وقد استشعرت من نظراتهما أنني تركت في قلبيهما حقدا عليّ لعدم التزامي بالدعم. وبعد أشهر قليلة قال لي صديق يعرفهما وبطريقة عابرة أنهما انضما إلى برنامج البعثات الحكومي، وأنهما يدرسان على حساب الحكومة التي يكرهانها. ولم يلبث المناضلان، بعد وقت غير طويل، أن عادا معا إلى الوطن وقد صرفت عليهما حكومة “الظلمة الديكتاتوريين” آلاف الجنيهات، ليبشرا بالفكر الإخواني وحتمية الخلافة وقيادة المرشد للأوطان الإسلامية. فجأة، نبتت الأنياب وراح المبشران يشتمان كل من لم يوافقهما في التفكير والمسلك، ويخونان الجميع حتى من ستر سوءتهما ومشروعهما الانقلابي، ولو عرفت سفارتهما أنهما خائنان يخططان لمشروع مضاد لما سمحت لهما بالدراسة وتلقي المكافآت والدعم الذي شمل علاج أسنانهما الشريرة.

في ختام قصة الخائنين مشهد طريف فهما من يرمي الآخرين بتهم الخيانة.

24