لا شيء يجمع الخليج وإسرائيل إلا عدم الثقة بالولايات المتحدة

تجد إيران الفرصة مواتية لاتهام السعودية ودول خليجية أخرى بمساعدة إسرائيل، بعدما أعلن مجلس التعاون الخليجي ووزراء الداخلية العرب حزب الله، ذراع إيران في لبنان، تنظيما إرهابيا. لكن لم يفلح الناطق الرسمي باسم إيران الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، هذه المرة في استحضار تهمة التآمر مع اسرائيل حين ادعى في ردّه على تصنيف دول الخليج العربي لحزب الله منظمة إرهابية، أن الخليجيين يقفون "في مقدمة المتآمرين على أي جهة تريد قتال إسرائيل واستعادة الكرامة العربية"، فما لا يعرفه نصرالله هو أنه بسبب المعارضة الإسرائيلية القوية، أجلت الولايات المتحدة لأعوام تسليم أسلحة متقدمة وقعت عقود بيعها لدول مجلس التعاون الخليجي.
الثلاثاء 2016/03/08
في انتظار رحيل أوباما

وسط تدخلات إيران في اليمن ومحاولاتها المستميتة للإبقاء على نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، وعرقلتها لأي تقدم سياسي في لبنان، لا شيء يجمع بين دول الخليج وإسرائيل سوى انعدام الثقة في الولايات المتحدة التي اختارت إخراج إيران من الركن البارد من العالم.

قال حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله، الأحد، إن الخليجيين يقفون “في مقدمة المتآمرين على أي جهة تريد قتال إسرائيل واستعادة الكرامة العربية”.

ما لا يعرفه نصرالله هو أنه بسبب المعارضة الإسرائيلية القوية، أجلت الولايات المتحدة لأعوام تسليم أسلحة متقدمة وقعت عقود بيعها لدول الخليج.

تم تأجيل تسليم الكويت 28 طائرة من طراز “إف 18 سوبر هورنت” لمدة عامين، بينما أجلت واشنطن تسليم قطر أيضا 73 طائرة من طراز “إف 15” لمدة عامين، وفقا لما ذكرت مؤسسة ستراتفور الخاصة للاستخبارات.

لا شك في أن الإدارة الأميركية الحالية، والقادمة أيضا، ستظل ملتزمة بالحفاظ على تقدم إسرائيل عسكريا، ولن تسمح باختلال التوازن العسكري القادم لصالح أي دولة أخرى في المنطقة.

باتت إسرائيل تملك الحق في منع وصول أسلحة الولايات المتحدة إلى أقرب حلفائها في المنطقة. وفي المقابل يستعد الجانبان لإتمام صفقة بقيمة 40 إلى 50 مليار دولار في صورة مساعدات عسكرية لإسرائيل، تصل أول دفعاتها بدءا من عام 2018.

لا توجد دولة أخرى في المنطقة تستطيع الحصول على كل هذه المساعدات الأميركية، حتى إن كانت هذه الدولة السعودية أو الإمارات أو أيا من دول الخليج الأخرى.

في ظل السياسات الأكثر نشاطا التي تنتهجها، خاصة بعد تولي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، تخشى إسرائيل أن تتحول دول الخليج إلى منافس لها كحليف استراتيجي للولايات المتحدة، التي تحاول البحث عن طريق واضحة لركام الدول الذي يتضخم تدريجيا في الشرق الأوسط.

ما لا يعرفه نصرالله هو أنه بسبب المعارضة الإسرائيلية القوية، أجلت الولايات المتحدة لأعوام تسليم أسلحة متقدمة وقعت عقود بيعها لدول الخليج

من واشنطن إلى طهران

تجد الولايات المتحدة اليوم نفسها مجبرة على تدارك أخطاء إدارة الرئيس باراك أوباما في منطقة الشرق الأوسط بعدما قررت رؤية المنطقة بعين واحدة مسلطة على إيران، بينما كان الشرق الأوسط يشهد تحولا جوهريا تحت عينها المغلقة.

أول هذه التحولات هو محاولات إيران المتنامية لفرض نفسها كقوة جديدة تسعى إلى نفوذ إقليمي طائفي، وتجاهل الولايات المتحدة لهذا التوجه على حساب مصالح دول الخليج. نتجت عن هذه التحولات ندوب عميقة في العلاقات التاريخية بين دول الخليج العربية والولايات المتحدة.

ورغم ذلك لم يشعر الأميركيون بغضب الخليجيين المبطن بعدما اندلعت احتجاجات شعبية حاشدة في مدينة سيدي بوزيد الصغيرة أسقطت النظام في تونس مطلع عام 2011، وانتقلت لاحقا إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا.

لم يتمكن السياسيون في الولايات المتحدة من رؤية حقيقة واضحة هي أنه كلما توسعت رقعة الفوضى في المنطقة، قلت ثقة حلفاء واشنطن فيها.

في جلسة استماع عقدها في يونيو 2012 رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس آنذاك جون كيري، الذي أصبح لاحقا وزير الخارجية، قال “هناك معادلة توازن جديدة تتشكل في الشرق الأوسط في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وحرب العراق، كل ذلك حول مركز الثقل في المنطقة إلى دول الخليج”.

لكن الحقيقة هي أن الحرب على العراق عام 2003 كانت سببا في تحول الثقل من الخليج إلى خصمه اللدود إيران.

بعض دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، ساهمت في استغلال احتجاجات ما بات يعرف بـ”الربيع العربي” لتصحيح هذه المعادلة الجديدة، لكن الولايات المتحدة أدركت ذلك متأخرة.

انتهجت واشنطن سياسة مغايرة تماما لرغبات حلفائها في المنطقة، خصوصا تجاه إيران. كانت الرياض تنظر إلى التجديد للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عام 2009 تهديدا كبيرا لأمنها، بينما كانت إسرائيل تراه باعتباره “هدية الرب” التي قد تزيد الضغط على أوباما لاتخاذ مواقف أكثر تشددا تجاه إيران، لكن هذا لم يحدث.

يقول محللون أميركيون إن فشل نجاد في إدارة ملف الاقتصاد الإيراني كان متوقعا في واشنطن التي كانت تأمل في أن يساهم ذلك في انفجار الشارع الإيراني.

في نفس الوقت، أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على يد مع الخليجيين، بينما كانت عام 2012 تمد يدا أخرى في الخفاء إلى إيران.

وفي خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك عام 2013 قال أوباما “على المدى القصير، ستتركز جهود أميركا الدبلوماسية على قضيتين محددتين؛ محاولات إيران الحصول على سلاح نووي، والصراع العربي الإسرائيلي. حل هاتين القضيتين سيشكل قاعدة لتوسع أكبر لحل باقي المشكلات في المنطقة”.

أيقن المسؤولون في الخليج حينها أن وضع حد للتمدد الطائفي الإيراني في المنطقة ليس على أجندة أوباما. ساهم ذلك لاحقا في رفض السعودية لتسلم مقعدها في مجلس الأمن الدولي عام 2013. لم يكن هذا الرفض تعبيرا عن غضب دول الخليج العربية من التراجع المتعمد للدور الأميركي في المنطقة فحسب، لكنه كان أيضا إيذانا بإطلاق الخليجيين حملة موسعة داخل الولايات المتحدة للضغط على الإدارة الأميركية من أجل تصحيح مسارها في الشرق الأوسط.

لم تدرك الولايات المتحدة أنها بصدد أكثر المشكلات تعقيدا منذ أن سعت لأول مرة إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط بعد انتهاء حرب السويس عام 1956.

دفع “الربيع العربي” واشنطن إلى وسط النيران الممتدة بين دول إسلامية تتصارع على النفوذ السياسي وسط معركة تتحكم فيها بقدر كبير سياسات طائفية.

وجد الأميركيون أنفسهم أيضا أمام نظام جديد في المنطقة أكثر تعقيدا من النظام الذي كان يحكم سابقا العلاقات بين دول الشرق الأوسط وفقا لقواعد الحرب الباردة. ما بات واضحا الآن هو أن لا شيء يجمع بين دول الخليج العربية وإسرائيل سوى عدم الثقة في الولايات المتحدة.

لا حدود إسرائيلية في الضغط على الحليف الأميركي

دول الخليج ليست إسرائيل

كان “قطع رأس الثعبان” هو طلب العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز من إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عام 2008 عبر توجيه ضربات عسكرية لمواقع تخصيب اليورانيوم في إيران، بينما كانت إسرائيل تضغط للسماح لها بتوجيه ضربات جوية باستخدام قنابل من نوع خاص قادرة على تدمير المنشآت تحت الأرض. لكن الولايات المتحدة وحدها هي من يملك هذا النوع من الأسلحة.

في مايو 2011، قال ميت ديغان، الذي كان قد تقاعد للتو من رئاسة الموساد، إن توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إلى إيران “هو أغبى فكرة سمعتها في حياتي”.

لم تعرف جهود نتنياهو خلال الفترة الأولى من حكم أوباما حدودا في الضغط على الولايات المتحدة لاتخاذ موقف قوي من إيران.

وصلت ذروة هذا الضغط خلال كلمة نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 عندما وقف ممسكا بلوحة صغيرة تظهر قنبلة يعتليها خط أحمر في إشارة إلى أن البرنامج النووي الإيراني أوشك على الاكتمال.

كانت لهذا المشهد قدرة على جذب الانتباه لانهيار الثقة بين الحليفين أكبر مما جاء في خطاب نتنياهو عن البرنامج النووي الإيراني قبل ذلك ببضعة أشهر.

أشار نتنياهو حينذاك إلى مخاوف إسرائيل ورغبتها في جذب الولايات المتحدة التي كانت تسير في سباتها تجاه إيران.

قال نتنياهو في الخطاب “إذا كانت تشبه البطة، وتسير مثل البطة، وتصيح كالبطة، إذن ما هي؟ هذا صحيح، إنها بطة.. لكن هذه البطة هي بطة نووية”.

كان هذا الخطاب جزءا من حملة إسرائيلية موسعة داخل الولايات المتحدة عكست الانحدار الذي وصلت إليه العلاقات الشخصية بين نتنياهو وأوباما، الذي فشل في أن يتصنع أن لا خلاف مع “بيبي”.

جهود نتنياهو الحثيثة التي كانت تعكس غياب ثقة مفرطة في الإدارة الأميركية، أوصلت أوباما إلى الشعور بأن الكيل قد طفح من تصرفات نتنياهو المزعجة واللانهائية.

خلال خطابه في القدس أثناء زيارته إلى إسرائيل عام 2013 قال أوباما إن امتلاك إيران لأسلحة نووية هو “خطر لا يمكن احتواؤه، وبصفتي رئيس الولايات المتحدة فإنني أعلن أن كل الخيارات مطروحة على الطاولة لتحقيق أهدافنا”.

لم يكن المقصود من هذه الكلمات تهدئة مخاوف الإسرائيليين، بقدر ما كانت تعني معارضة صادقة من قبل الأميركيين لظهور أي قنبلة نووية إيرانية، لأن ذلك يعني ببساطة أن سباقا حميما على امتلاك الأسلحة النووية سيندلع في المنطقة.

عندما ضغط نتنياهو على الإدارة الأميركية أسرع أوباما إلى القدس لطمأنة الإسرائيليين. عندما أراد السعوديون أن يفعلوا الشيء نفسه، كان الرد غضبا عارما من البيت الأبيض.

كانت هذه المرحلة تشهد أكبر قدر من الانتقاد يخرج من الخليج تجاه الإدارة الأميركية منذ تحالف الجانبين قبل أكثر من 80 عاما. ما كان واضحا هو أن السعوديين على وجه الخصوص استعملوا كل شيء في استطاعتهم لإثناء إدارة أوباما عن المضي قدما في توقيع اتفاق نووي نهائي مع إيران.

لكن رغم أهمية دول الخليج القصوى بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فهي ليست إسرائيل. وبينما تفهم الأميركيون غضب السعوديين “المشروع” تجاه التقارب مع إيران، اعتبرت إدارة أوباما أن سلوكهم “قد يأتي بنتائج عكسية” وأنه من الممكن أن يكون سببا في “إيصال رسالة إلى الإيرانيين بأن بإمكان الرياض أن تكون حاجزا بين واشنطن وطهران”.

سارع مساعدون لأوباما إلى إرسال رسالة مقابلة إلى الرياض مفادها أن المسؤولين السعوديين “لا يمكنهم الخروج باستمرار إلى العلن لمهاجمة رئيس الولايات المتحدة الأميركية”.

كان هذا العلن فضاء مخصصا فقط للإسرائيليين للتعبير عن قلقهم أو غضبهم أو مخاوفهم من أي شيء. وصل الأمر إلى حد دخول نتنياهو في صراع مباشر مع إدارة أوباما التي كانت تحاول عرقلة إلقائه أي خطاب في الكونغرس، ورغم استنفاد الإدارة الأميركية لكل وسائلها المشروعة وغير المشروعة، تمكن نتنياهو في مارس العام الماضي من الهجوم على أوباما وإحراجه وإظهار عجزه عن فعل كل هذا في عقر داره.

لكن هذا الخطاب لم يؤت الثمار التي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يتجهز لالتقاطها، ومن ثم وقعت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى اتفاقا نهائيا مع إيران حول ملفها النووي في يوليو الماضي.

لم يتمكن السياسيون في الولايات المتحدة من رؤية حقيقة واضحة هي أنه كلما توسعت رقعة الفوضى في المنطقة، قلت ثقة حلفاء واشنطن فيها

نهاية الدور الأميركي القديم

كان هذا الاتفاق مقدمة إلى منح إيران دورا جديدا في المنطقة، ونهاية لدور قديم التزمت به الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

قبل توقيع الاتفاق بثلاث سنوات تمكنت مجموعة من المحللين الاقتصاديين في مؤسسة الأبحاث التابعة لبنك “سيتي بنك” من إصدار دراسة بعنوان “أميركا الشمالية، الشرق الأوسط الجديد؟” قالوا فيها أن قارة أميركا الشمالية ستتحول خلال العقد القادم إلى مصدر الطاقة في العالم أو “الشرق الأوسط الجديد”.

تراجعت أسعار النفط بشكل حاد بعد ذلك بعامين، لكن هذا لم يوقف تراجع أهميته أيضا. أثبتت الأعوام التي قضاها أوباما في البيت الأبيض أنه كلما تراجعت حاجة العالم إلى نفط الشرق الأوسط غرقت المنطقة في أزمات لا مخرج منها، لا لسبب آخر سوى أن الولايات المتحدة قررت أن مصالحها ابتعدت شرقا إلى جنوب شرق آسيا، حيث نفوذ الصين المتزايد.

قال المحللون في الدراسة “ليس من الواضح كيف ستكون النتائج السياسية إذا ما استمرت الولايات المتحدة في لعب نفس الدور الذي تقوم به منذ ستين عاما، كضامن لاستمرار تدفق النفط حول العالم، وحام لمصادر النفط في الشرق الأوسط، لكن بعد حدوث هذا التحول الكبير في سياسات الطاقة الأميركية، سيكون من غير المنطقي أن تتابع سياساتها التقليدية في المنطقة”.

كاتب مقيم في لندن

7