لا شيء يخجل، لا شيء يربك

الخميس 2015/09/10

بينما أتنقل في غرف البيت لجمع الملابس والجوارب المتسخة التي يحدث أن يتركها الأبناء فوق كرسي أو على حافة سرير، أنتبه إلى بقع بيضاء صغيرة على بنطلون ابني ذي ال13 عاما. اتفحصها جيدا بين يدي مخمنة ما قد تكونه، أقربها من أنفي لأشمها، لكن حتى الشم لم يساعدني على تحديد ماهيتها. أتردد قليلا، ثم أتوجه إليه وأسأله بشكل مباشر وبتعاطف واضح: هل هذا ما أعتقده؟ ينظر ابني إلى السروال في يدي، يتعلق نظره بالبقع البيضاء لحظات محاولا أن يتبين مقصدي، يبتسم ويقول: لا، ليس هذا ما تعتقدينه، هذه من إما معجون أسنان أو يوغرت، ليس أكثر، عندما يحين الذي تعتقدينه، ستكونين بالتأكيد أول من يعلم.

قبل هذه الحادثة بأشهر قليلة تلقى ابني دروسا جنسية في الفصل الأخير من المدرسة لابتدائية، جاوبت على أهم الأسئلة التي تخطر على ذهن طفل في سنه مقدم على مرحلة جديدة من حياته. من بينها: ما معنى الحيض عند البنات؟ كيف تحيض الفتاة لأول مرة، ولماذا تحيض؟ أخبرني أن المعلم جلب معه إلى الفصل أنواعا مختلفة من الفوط التي تستعمل للحيض، شارحا للتلاميذ، إناثا وذكورا، كيف تستعمل ومتى تستبدل؟ جلب معه أيضا واقيات ذكرية، وأدوات حلاقة وأشياء أخرى كثيرة.

والآن لا أجد صعوبة في أن أقول لإبني بعد أن أرفع صوتي، أكثر مما ينبغي، احتجاجا على سلوك صدر منه: أنا آسفة، يبدو أن الحيض يؤثر على مزاجي، فيرد بنظرة متفهمة، متسامحة: لهذا لا أتمنى أن أكون بنتا.

دروس التربية الجنسية شرحت لهم أيضا، لماذا يحب الأولاد والبنات بعضهم البعض؟ ما معنى البلوغ وما الذي يحدث خلاله؟ والأهم من هذا كله أوصلت لهم فكرة إن هذه التحولات، جميعها، أمور بديهية، تحدث لهم، كما حدثت لأبائهم، وكما ستحدث لأبنائهم، مسلمات حياتية عادية قابلة للحديث والنقاش مع الآباء ومع الغير، وليست طلاسم وألغازا وأسرارا.

ذكرت لي صديقة أن ابنها فاجأها ذات يوم وهو ينزل سرواله ليريها أول شعرة نبتت له في منطقة العانة، ولم يتوان في إبدائها لأخواته ووالده أيضا، مزهوا وفخورا بدخوله مرحلة جديدة من حياته، قالت إنها شعرت بسعادة كبيرة أن هذا يحدث في بيتها، هي التي تربت على الصمت والكتمان والخجل، ويحدث بكل هذه البساطة والتلقائية والتقبل من الجميع، تماما كما لو أن الأمر يتعلق بشعرة تنبت في شاربه.

صحيح، ما المانع من أن هذا يحدث في بيوتنا كلنا؟

لماذا نفوت على أنفسنا فرصة أن نكون شاهدين على دخول أبنائنا أهم مرحلة في حياتهم؟ ما الفرق بين معجون الأسنان أو اليوغرت والمني على بنطال أبنائنا، وما الفرق بن شعرة تنبت في العانة وأخرى في الشارب؟ إنها الشعرة التي في طرفها يتعلق مستقبل أبنائنا، فتوصل وتقطع، فلنتمسك بها، ولنحتف بها كما نحتفي بيوم تخرجهم، ويوم زفافهم، ولنكن مستعدين لها، قادرين على تحمل مسؤوليتها، جاهزين بالمعرفة والتفهم والاستيعاب الذي تستلزمه المرحلة، لا شيء يخجل، لا شيء يربك في حديث مفتوح بين أم وابنها عن حياته الجنسية، عن أول قبلة في حياته، عن بلوغه، أحلامه، هواجسه، أمراضه، فلماذا نقطع الطريق على أنفسنا بأنفسنا ونتخلى عن أبنائنا في أشد الأوقات احتياجا لنا؟

21