"لا شيء يشبه القلب" قصائد لأليخاندرا بيثارنيك شاعرة الجحيم الموسيقي

لم تعش بيثارنيك سوى 36 عاما، حياة قصيرة لكنها كانت محمّلة بالشِعر والمشاعر، حياة متقلبة بأتم معنى الكلمة.
الاثنين 2021/08/02
شاعرة العزلة والهواجس

عمان – يقدم كتاب “لا شيء يشبه القلب” قصائد مختارة للشاعرة الأرجنتينية الراحلة أليخاندرا بيثارنيك، ترجمها إلى العربية كل من أحمد يماني ورنا التونسي.

وتمت ترجمة هذه المختارات عن اللغتين الإسبانية والإنجليزية، حيث ترجم أحمد يماني عن الإسبانية مقدمة ثيسار أيرا ورسالة أليخاندرا بيثارنيك إلى خوليو كورتاثر وردّه عليها وقصائد: كلمة الرغبة، رغبة الكلمة، حجر أساسي، حلم الموت أو مكان الأجساد الشعرية، ساعة، الليل القصيدة، شذرات للتحكم في الصمت، تأمّل، قصائد نثر قصيرة، تكريما لخسارة، أغنية إلى الراقد، من الجانب الآخر، فصول رئيسية.

كما ترجمت رنا التونسي عن الإنجليزية، وتمت مضاهاة الترجمة بالنص الأصلي في الإسبانية، قصائد: ذات العينين المفتوحتين، أنا، خلاص، شيء ما، اليقظة، قصيدة إلى إيميلي ديكنسون، القفص، الرقصة الساكنة، ابنة الريح، حكاية شتوية، عيون بدائية، أحدهم يسقط في سقوطه الأول، من الصمت، الخوف.

ولا تخفى النبرة الفريدة في شعر بيثارنيك، وتشربها العميق للتحولات التي حملتها حركة الأدب والفن الطليعي أواسط القرن الماضي، وهو ما تثبته القصائد المختارة في طبعتها العربية، الصادرة حديثا عن دار خطوط وظلال في عمان، إذ تذهب القصائد بقارئها إلى عالم الشاعرة الموحش والحزين، حيث تعيد تشكيل الحياة والموت متلاصقين، وتعيد ترتيب خوفها وهواجسها، لتبني عالما شعريا فريدا، في عزلة تبدو وكأنها ليل طويل بلا ضوء.

النبرة الفريدة في شعر أليخاندرا بيثارنيك آتية من تشربها العميق للتحولات التي حملتها حركة الأدب والفن الطليعي

وُلدت فلورا بيثارنيك (كان ذلك اسمها الحقيقي، بينما تبنت اسم أليخاندرا في مراهقتها) عام 1936 في أبيّانيدا، أحد أقاليم مدينة بوينس أيرِس. هي الابنة الثانية لمهاجرين يهوديين كانا قد وصلا إلى الأرجنتين قبل ثلاث سنوات من ولادتها قادمين من روفني (مدينة كانت روسية ثم بولندية على التوالي).

 كان أبوها سمسار ذهب وتحصل على وضع مالي جيد. درست في المدرسة الاعتيادية المشتركة في أبيّانيدا. بدأت بعد ذلك الدراسة الجامعية ثم هجرتها، حيث درست على الترتيب الفلسفة والإعلام والآداب وكذلك الرسم في ورشة الرسّام خوان باتيي بلاناس.

وتعد بيثارنيك إحدى الشاعرات البارزات في اللغة الإسبانية خلال النصف الثاني من القرن الماضي. وقد اتسم شعرها بـ”السوداوية”، وبحضور طاغ للخوف والعزلة والموت، محاذيا اضطراب شخصيتها الذي تفاقم ليتحول إلى كآبة عميقة ألمت بها لاحقا.

ولعل تأثر أليخاندرا المبكر بالسريالية شكّل أوضح ملامح القصيدة عندها، وخاصة بعد انتقالها إلى باريس والتقائها بمجموعة من الأدباء والفنانين المؤثرين، الذين تعرفت عليهم هناك، وانعقدت بينهم الصداقات أمثال أوكتافيو باث، وخوليو كورتاثر، وسواهما ممن ساعدوها على الدخول إلى المناخ الثقافي المُتقد في ذلك الوقت.

وعندما بدأت بيثارنيك الكتابة في الخمسينات من القرن الماضي، كان الجميع يعتبر أن السيريالية قد ماتت، وكان من الطبيعي لشاعرة مثلها تفتّح وعيها على الذوق السيريالي، أن تستخدم منهج المدرسة الميتة «كمن يرتدي ساعة قريب متوف»، كان لدى أليخاندرا الشابة هدف وحيد وواضح: أن تكتب قصائد جيدة، وأن تصبح شاعرة جيدة، وبذلك يبدو أنها وضعت نفسها في القطب المعاكس لبرنامج السيريالية، لكنها في الواقع اضطلعت به من الداخل، معيدة اختراع السيريالية من موتها الأساسي قبل الولادة.

قصائد مختارة
قصائد مختارة

ولفهم تحولات قصيدتها لا بد من فهم مسار حياتها وتنقلاتها، فقد سافرت بيثارنيك عام 1960 إلى باريس، حيث بقيت هناك أربعة أعوام، كانت أساسية في تشكيلها وتكوينها الأدبي، وفي عام 1962 ظهر في بوينس آيرس ديوانها «شجرة ديانا» وهو الكتاب الذي حدّد أسلوبها ومنهجها المميزين، وبعد عودتها إلى الأرجنتين عام 1965 نشرت «الأعمال والليالي» ومن ثم نشرت «استخراج حجر الجنون»، ولكن الأزمة النفسية أثرت فيها بحدة.

بدأت أزمتها النفسية نتيجة الفشل في إيجاد التوازن بين الرغبات الذاتية والواجبات الحياتية. وفي هذا الإطار تعبرُ الشاعرة عن شغفها للكتابة لأيام وشهور ولكن يرهقها السؤالُ ماذا أريد أن أكتب وعن ماذا؟ فهي مسكونةُ بالصمت على حد تعبيرها.

واستحالت مشكلات الشاعرة الداخلية إلى أزمة حقيقية ففي عام 1970 كانت محاولة الانتحار الأولى، والتي تبعتها محاولات أخرى، وقضت فترات طويلة محجوزة في جناح طب النفس العصبي في أحد المستشفيات، وفي سبتمبر من عام 1972، في عمر السادسة والثلاثين، ماتت نتيجة جرعة زائدة من الحبوب المنومة، وكانت قد نشرت ديوانا أخيرا هو «الجحيم الموسيقي» ثم ظهرت بعد وفاتها قصائد لم تنشر من قبل، الأهم من بينها كان ديوان «نصوص الظل وقصائد أخرى» عام (1982).

لم تعش بيثارنيك سوى 36 عاما، حياة قصيرة لكنها كانت محمّلة بالشِعر والمشاعر، حياة متقلبة بأتم معنى الكلمة، ما انعكس على نصوصها المختارة في كتاب “لا شيء يشبه القلب”، نصوص لا يمكن فهمها أو تفسيرها بمعزل عن حياة الشاعرة ورؤاها التي أعطت للسريالية أبعادا أخرى، واقتحمت مناطق مطلمة من الذات بدقة تصويرية عالية تبث في نصوصها روحا دافقة لإنسان محمّل بأفكار وأسئلة لا تنتهي.

15