لا صداقة في وجود الرجال

الاثنين 2016/09/19

علاقتهما أقوى من الأخوة ذاتها، لا يمكنني وصفهما بصديقتين حتى لا أظلم إحداهما، سأترك الوصف لطزاجة المشاعر وروعتها وبراءة سنوات الطفولة الأولى التي جمعتهما، وإحساس القارئ يخلع على علاقتهما ما يراه مناسبا من وصف وتعبير. لكنهما كانتا نصفين منفصلين لأنثتين ولدا في حي واحد، تعلمتا سوياُ وكتبتا الحرف الأول من اسميهما معا، “م، منى ومنى”، طفلتين، جارتين، تعلمتا وكبرتا معا واعتادت كلتاهما أن تقاسم الأخرى كل شيء، بالمعنى الحرفي للكلمة كل شيء.

حتى بعض الأشياء التي لا تقبل القسمة على إثنين، طوعتاها جميعها حتى تنقسم بسهولة، تخرجتا في كلية الأداب وعملتا في مهنة التدريس معا، مر الوقت سريعا، كان لابد لكلتاهما أن تتزوج، فتزوجت وكان لابد لهما أن تعيشا في بيتين بعيدين حسب ظروف كل زوج، فعاشتا ولكن ظلت الصداقة والقرب النفسي قاسمهما المشترك، أنجبت منى بنتين وولدا ولكن صديقتها لم ترزق بأطفال طيلة عشر سنوات، طافت على العديد من الأطباء طلبا للعلاج دون جدوى، كان الوقت رتيبا مملا، شيئا فشيئا تتلاشى الضحكات وتتآكل كلمات الزوج الرقيقة، تحول الغزل إلى نقد لاذع واتهام فظيع بعدم القدرة على تحقيق الحلم لها ولزوجها، الكلمات تموت على الشفاه وينكسر عود الحب شيئا فشيئا.

علمت الزوجة بزواج حبيب عمرها من أخرى لاشتياقه لكلمة “بابا”، ورغم كل محاولات التهدئة والزعم بأن الزوجة الجديدة مجرد “رحم”، كوخ صغير يحمل بداخله الحلم ويرعى جنينا أقسم الزوج بألا يسرقه من حبيبته لحظة واحدة إلا أن غيرة الأنثى حالت دون الاستمرار في حياة زوجية كانت يوما ما من أنجح الزيجات، وموضع سهام حسد الأصدقاء.

انفصلا وكل منهما يضمد جراحه في اتجاه معاكس، سرعان ما نسي الزوج آلامه مع أول صرخة لصغيره يتنفس فيها هواء الدنيا، ولكن وحدها الزوجة أحزانها تزداد يوما بعد يوم ويعجز الزمن عن شفائها.

لم تحتمل صديقتها المشهد المأساوي وذبول الصديقة الأقرب لقلبها بعد أن قطف الزوج المشتاق للولد أزهارها وألقى بها على قارعة الطريق تستبيحها أقدام المارة، اصطحبتها إلى البيت، تهديها كل يوم ابتسامة جميلة وضحكات الصغار تلون الحياة وتبدل لونها المظلم بألوان قوس قزح.

خلق اعتياد زوج صديقتها على رؤيتها بالبيت كل يوم نوعا من الألفة والسكينة، وحالتها تتبدل يوما بعد يوم من الحزن إلى الفرح والسرور وقلبها يولد من جديد، من دون مقدمات عرضت عليه زوجته الزواج من صديقتها كي يعوضاها عن إنكسار قلبها، وسط دهشة وتعجب الزوج ورفض الصديقة في البداية.

مرت الأيام سريعا والزوجة تكرر الطلب بإلحاح حتى تنسي صديقة عمرها غدر الزوج الأول، تم الزواج ولا يباركه غير الزوجة المخلصة، ورغبة دفينة لم يظهرها الزوج أو الحسناء المطلقة.

لم تنتبه الزوجة لكل التحذيرات ورعب الأهل من علاقة غريبة وتصرف تحوطه الكثير من علامات التعجب والاستفهام، مرت الأيام الأولى هادئة بين زوجة تقدم كل شيء وأخرى تأخذ كل شيء، وفي تحول دراماتيكي للأحداث دبت المشاكل بين الصديقتين “الضرتين”، وتلاشت الصداقة والتفاهم والتسامح والقبول، نصبت الزوجة الجديدة والصديقة القديمة فخا لصديقتها، لعبت بعقل الرجل وامتلكت قلبه، طلق زوجته وترك أطفاله، بكت الزوجة من أجل زوج ضاع وبيت تهدم وأطفال لا ذنب لهم غير أن أمهم أعطت بسخاء وتقاسمت مع صديقة عمرها كل شيء حتى الزوج، ولكنها أدركت بعد فوات الأوان أنه لا صداقة في وجود الرجال وأن هناك أشياء لا تقبل القسمة على اثنين.

كاتبة من مصر

21