لا صوت سوى صوت الحكومة في خارطة الإعلام المصري الجديدة

وجوه إعلامية بارزة لم يعد لها مكان في المشهد التلفزيوني، وتقليص المنابر السياسية يحول الجمهور مباشرة إلى مواقع التواصل.
الاثنين 2018/08/20
مجالات لا تقلق الحكومة تسيطر على المشهد

القاهرة - كشفت مصادر إعلامية مصرية لـ”العرب”، أن الحكومة تعتزم تقليص عدد المنصات الإعلامية مكتفية بعدد محدود، تعتمد عليها لتوصيل رسائل محددة للجمهور، مع زيادة المحتوى الترفيهي والاجتماعي والرياضي على حساب المحتوى السياسي، ضمن خطة يتم الانتهاء من صياغتها حاليا لدمج وإغلاق بعض القنوات الفضائية.

ويشهد الإعلام المصري، منذ نهاية يوليو الماضي، تحركات عدة لإعادة الهيكلة، بدأت بإغلاق قنوات “أون لايف” و”دي.أم.سي سبورت” و”العاصمة”، وتقليص عدد العاملين في شبكة قنوات “الحياة” بنسبة 70 بالمئة، مع خفض عدد البرامج المقدمة بها، مقابل زيادة مساحات الأعمال الدرامية.

وجميع هذه القنوات مملوكة لأشخاص، لكن الحكومة تتحكم في أمورها المهنية، كما لجأت مؤخرا عبر بعض الأذرع التابعة لها إلى الاستحواذ على عدد من الفضائيات لضمان الولاء الكامل لها، وأنشأت محطات جديدة واشترت أخرى قائمة بالفعل.

وأضافت المصادر ذاتها، أن “بعض الفضائيات التي تشارك أجهزة حكومية في إدارتها تم إنفاق مئات الملايين من الجنيهات عليها، لكنها أخفقت في مهمة دعم ومساندة الحكومة بصورة إيجابية، كما أن بعض الوجوه التي تظهر على هذه الفضائيات أصبحت مرفوضة، وغير مقبولة على الشاشة، فكان قرار التخلي عنها حتميا”.

وتسعى الحكومة إلى النأي بالإعلام عن النبش في قضايا بعينها، لتجنب إثارة الرأي العام المأزوم بسبب تصاعد حدة المشكلات الاقتصادية، وتعمل على ما يمكن وصفه بـ”إلهاء الناس” عبر برامج تهتم بقضايا ترفيهية واجتماعية وفنية.

صفوت العالم: من يديرون المشهد يفكرون بمنطق غريب عندما يهمشون السياسة
صفوت العالم: من يديرون المشهد يفكرون بمنطق غريب عندما يهمشون السياسة

وقال عاملون بفضائيات خاصة لـ”العرب”، جرى الاستغناء عن خدماتهم، إن “الاتجاه القوي حاليا، يتلخص في تقليص المنابر السياسية في نطاق ضيق للغاية، لتركيز إنفاق الملايين عليها دون إهدارها في أكثر من مكان، وتكون سهلة السيطرة والتوجيه، وبدلا من أن تقوم 5 قنوات بالمهمة، يتم إسناد الأمر لفضائية واحدة، لتوصيل الرسالة إلى الداخل والخارج وتدافع عن توجهات الحكومة”.

وقال العميد محمد سمير المتحدث العسكري السابق، الذي أسندت إليه إدارة فضائية “العاصمة”، قبل اتخاذ قرار بإغلاقها، في مقال كتبه لصحيفة “فيتو” مؤخرا تحت عنوان “النموذج الفاشل”، قال “ما يجري في المشهد الإعلامي كارثة، بعدما تم إسناد مهمة غلق وفتح القنوات وقطع أرزاق العاملين بالفضائيات لشخصيات غير أمينة أو متخصصة”.

ويعكس تحول الإعلاميين المغضوب عليهم، أن أكثر المذيعين الذين يظهرون على الشاشات لإقناع الناس بقرارات وتوجهات النظام، لا يتحدثون عن قناعات شخصية، ولا يؤمنون بالرسالة التي يريدون توصيلها إلى الجمهور، لكنهم مضطرون لانتهاج سياسة تجميل الصورة العامة، للحفاظ على وجودهم في المشهد ما عزز فقدان الثقة في باقي الوجوه الإعلامية.

وضمت قائمة المستبعدين، حتى الآن، تامر أمين مقدم برنامج “الحياة اليوم” على فضائية “الحياة”، وعزمي مجاهد مذيع الـ”توك شو” الرئيسي بفضائية “العاصمة”، ويوسف الحسيني الإعلامي بفضائية “أون تي.في”، فضلا عن عمادالدين أديب الذي استقال من “الحياة”، والاستغناء عن المذيعة لبنى عسل بعد فترة قصيرة من انضمامها إلى “أون”، وسط توقعات بتوقف الإعلامية لميس الحديدي مقدمة البرنامج الرئيسي على فضائية “سي.بي.سي” عن الظهور، بعدما طُلب منها تغليب محتوى البرنامج إلى الناحية الاجتماعية.

ويقول متابعون، إن ضيق الحكومة من البرامج السياسية يبدو صورة مصغرة مما يحدث في المناخ العام، لأن بعض دوائر الحكم ترى أن الحديث في قضايا سياسية، غير مطلوب ويمثل تحديا للمرحلة الراهنة، بذريعة أنه قد يعطي بعض الأطراف المناوئة فرصة لعرقلة جهود التنمية والإصلاح.

ويرى صفوت العالم أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة في تصريح لـ”العرب” أن تقليص البرامج السياسية كارثة مجتمعية، لأن الجمهور أصبح أكثر وعيا ويدرك تماما أن ما يجري على الساحة الإعلامية مجرد إعادة توزيع أدوار بنفس الفكرة والإدارة مع استمرار حظر النقد.. من الخطر أن يتم التعامل مع الإعلام على أنه يعكس فقط متطلبات الحكومة.

وعلمت “العرب”، أن مشاورات تجري حاليا لدمج قنوات “دي.أم.سي” (تشارك الحكومة في ملكيتها) مع “سي.بي.سي” (يمتلكها رجل الأعمال محمد الأمين)، بحيث ينتج عن هذه الشراكة إطلاق فضائية “دي.أم.سي نيوز”، بشكل ومحتوى وإنتاج مختلف، لتكون القناة الإخبارية الوحيدة التي تشارك فيها أجهزة الحكومة، على أن تكون هناك قناتان رياضيتان هما “أون سبورت1” و”أون سبورت2”. وبالتوازي مع هذه الخطوة، تجري إعادة توزيع الأدوار بين القنوات في الخارطة الإعلامية الجديدة، بحيث تكون هناك فضائيات إخبارية، وأخرى درامية، وثالثة رياضية.

ويشكك بعض المراقبين في نجاح هذه الخطة، لإدراك المشاهد أنها صنيعة حكومية، كما أن إعادة تدوير الوجوه وتغيير المنابر دون الاعتماد على جيل جديد من الإعلاميين يتمتع بالمهنية والاستقلالية والحرية، لن يأتي بنتيجة إيجابية.

وقال هؤلاء، إن محاولات تغييب الناس بتقليص البرامج السياسية، يجعل من صفحات التواصل الاجتماعي، والإعلام المناهض للحكومة، منابر ملائمة للجمهور للحصول على المعلومة، ما يشكل خطورة على الوعي السياسي، لاعتماد هذه المنابر على الإثارة والشائعات بشكل أكبر.

وأوضح صفوت العالم أن من يديرون المشهد يفكرون بمنطق غريب عندما يقررون تهميش السياسة، وهو مؤشر خطير للغاية، لأن الناس سوف تجهون إلى المنابر التي تعتمد على الإثارة وبث الفوضى في المجتمع.

واستبعد في تصريحات لـ”العرب”، إمكانية بناء منابر حرة في ظل استمرار عقلية المنع على الفضائيات، مضيفا “المشكلة ليست في تغيير الوجوه لنيل ثقة الناس، بل في رفض وجود إعلام مستقل يمثل كل الآراء والتوجهات الفكرية والاجتماعية”.

18