لا صوت يعلو على صوت الحكومة في الإعلام المصري

الوضع الراهن في الإعلام المصري يشير إلى أن هناك رغبة في وجود مالك واحد أو أكثر لجميع الوسائل الإعلامية، وإنهاء عصر سيطرة رجال الأعمال على الإعلام.
الخميس 2018/09/13
الطبخ أولا السياسة أخيرا

يدخل الإعلام المصري مرحلة جديدة لترسيخ “الصوت الواحد”، عبر امتلاك جهة واحدة تابعة لأجهزة الدولة لعدد كبير من المؤسسات الإعلامية. وأصبحت الكيانات التي تحتفظ بقدر من التأثير في الرأي العام في يد مجموعة “إعلام المصريين” .

القاهرة - استحوذت مجموعة “إعلام المصريين”، مساء الاثنين، على “مجموعة المستقبل القابضة للإعلام والاتصالات”، التي تمتلك شبكة قنوات “سي.بي.سي” وتضم: قناة سي.بي.سي العامة وقناة سي.بي.سي دراما وقناة سي.بي.سي اكسترا الإخبارية وقناة سي.بي.سي سفرة المتخصصة في برامج الطبخ.

وأفادت مصادر إعلامية لـ”العرب”، أن رجل الأعمال محمد الأمين، صاحب تلك القنوات، تعرض لضغوط كبيرة لإجباره على البيع، وتم التوصل إلى صيغة مناسبة لحفظ ماء الوجه، والإعلان عن الصفقة في صيغة دمج، وتعيين الأمين عضوا بمجلس إدارة الشركة الجديدة.

وبهذه الصفقة تكون “إعلام المصريين” التي تديرها داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة، وراجت معلومات أنها تابعة لأحد الأجهزة الأمنية القوية، وضعت يدها على الجزء الأكبر من سوق الإعلام الفضائي المسيطر على غالبية القيمة الإعلانية الواردة للسوق المصري، وتقع تحت إدارتها شبكة قنوات الحياة (العامة والمسلسلات)، بالإضافة إلى قناة العاصمة، وشبكة قنوات “أون” وتضم قنوات (“أون أي” العامة، “أون سبورت” الرياضية)، قبل أن تعلن الشهر الماضي إغلاق أون لايف الإخبارية، بالإضافة إلى شبكة قنوات “سي.بي.سي”.

وتمتلك المجموعة ذاتها 17 كيانا إعلاميا، بين موجات إذاعية على رأسها “شبكة راديو النيل”، وعدد من الصحف المواقع منها: اليوم السابع، صوت الأمة، دوت مصر، العين، إيجبت توداي، بيزنس توداي، بجانب شركات إنتاج سينمائي ووكالات إعلانية وشركات متخصصة في التسويق الإلكتروني وأخرى في التصميم، وتسيطر عبر شركة “بريزنتيشن” على تسويق الحقوق الرياضية في مصر.

تشبه التطورات الحالية الخطوات الذي ذهبت إليها السلطة الحاكمة في مصر خلال الستينات من القرن الماضي، والتي ارتكزت على إدارة المشهد الإعلامي على عدد من القواعد الأساسية، أهمها “المالك الأوحد” وعدم الالتفات إلى أهمية التنوع في التوجهات ووجهات النظر الناجمة عن تعدد الملاك، وذلك سيعود بالسلب على الإعلام المصري في المستقبل القريب بدلا من انتشاله من عثراته الحالية.

وكانت “إعلام المصريين” منذ تأسيسها قبل أربع سنوات مملوكة لرجل الأعمال المصري أحمد أبوهشيمة، قبل أن تستحوذ “إيغل كابيتال”، برئاسة داليا خورشيد، على أسهمها في نهاية عام 2017.

حسن علي: احتكار شركة واحدة للإعلام يستهدف ما يسمى تأميم وسائل الإعلام الخاصة
حسن علي: احتكار شركة واحدة للإعلام يستهدف ما يسمى تأميم وسائل الإعلام الخاصة

وعلمت “العرب”، أن الفترة المقبلة سوف تشهد المزيد الصفقات الاحتكارية لمجموعة إعلام المصريين، ومرجح أن تبدأ بتوقيع شراكات إعلانية مع مجموعة قنوات “دي.أم.سي” والتابعة لشركة “دي ميديا” (يشرف عليها أحد الأجهزة السيادية)، قبل أن تنضم إليها بشكل كلي، وهو ما ينعكس على شبكة تلفزيون “النهار”، التي ستصبح مضطرة للانضمام إلى التحالف الجديد للاستفادة من توزيع تركة الإعلانات.

ويشير الوضع الراهن في الإعلام المصري إلى أن هناك رغبة في وجود مالك واحد أو أكثر لجميع الوسائل الإعلامية، وإنهاء عصر سيطرة رجال الأعمال على الإعلام بعد أن كان ذلك يمثّل حماية خاصة بالنسبة لبعضهم.

وتسعى الحكومة المصرية إلى أن يكون هناك خطاب إعلامي واحد بدلاً من حالة السيولة التي كانت عليها الفضائيات منذ نشأتها، مطلع الألفية الجديدة، وأن ذلك الخطاب يكون مصدره قناة رئيسية تهتم بالأخبار السياسية، وأخرى للمنوعات وثالثة للرياضية ورابعة للدراما، على أن تكون الغلبة للمحتوى الاجتماعي الترفيهي بدلا من السياسي.

ويبدو أن القائمين على شؤون الإعلام المصري يأملون في تأسيس شبكة قوية تستحوذ على السوق الإعلامي، ويتجاوز تأثير قنواتها المستوى المحلي.

ما يبرهن على ذلك، ما أعلنت عنه شركة “سينرجي”، إحدى أذرع مجموعة إعلام المصريين، والتي أعلنت بالتوازي مع صفقتها الجديدة، تعاونها مع شبكة تواصل الشرق الأوسط المحدودة القابضة (MCN) التابعة للمجموعة العالمية، والمتخصصة في مجال الدعاية والإعلام.

وتتعارض الخطوات التي تسير نحوها الحكومة مع قوانين الإعلام الجديدة التي أقرّها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا، وضمن الأهداف الأساسية لتلك القوانين وقف الممارسات الاحتكارية.

بالنظر إلى الوضع الحالي فإن شركة إعلام المصريين تمتلك أكثر من ثماني قنوات بينها أكثر من قناة عامة وإخبارية، فيما ينص قانون تنظيم الصحافة والإعلام، “على أنه لا يجوز أن تتملك الشركة أكثر من سبع قنوات تلفزيونية، ولا يجوز أن تشتمل على أكثر من قناة عامة وأخرى إخبارية”، ما يصب في صالح إمكانية إغلاق عدد من القنوات التابعة لها حتى يتماشى الوضع الإعلامي في المستقبل مع القانون الحالي.

وأكد حسن علي، رئيس جمعية حماية المشاهدين، أن احتكار شركة واحدة (إعلام المصريين) لها علاقة بأجهزة تتبع الحكومة يستهدف ما يمكن تسميته بـ”تأميم وسائل الإعلام الخاصة”، وذلك يعبّر عن رغبة رسمية سابقة، تم البدء في تنفيذها منذ عامين حينما دخلت لأول مرة كمالك لإحدى الفضائيات الخاصة بشكل غير مباشر، وما تلا ذلك من تنقلات مقصودة لعديد من الوجوه الإعلامية التي كان لها تأثير قوي على الرأي العام.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، الحكومة نجحت في أن تتمكن من سوق الإعلام المصري بعد أن عملت على تهميش أدوار إعلاميين بارزين، ما أضعف فضائيات كانت تعتمد على أسماء بعينها لها جماهيرية بين المواطنين، بالتالي فإن مسألة السيطرة على الكيانات الإعلامية أضحت أسهل كثيرا في ظل المشكلات التي تعانيها.

ولفت الإعلامي محمد سعيد محفوظ، رئيس مؤسسة “ميدياتوبيا”، إلى أن التهديد الحقيقي على مستقبل الإعلام يرتبط بعدم وجود رؤية واضحة وأهداف إستراتيجية معلنة تفسر عمل الاندماجات وتغيير أنماط الملكية، ومرحلة عدم الاستقرار التي يعانيها الإعلام المصري ستبقى هي السمة السائدة، وهو وضع لا يمكن التنبؤ معه بطبيعة أوضاع الإعلام مستقبلا، انتظاراً لما سوف تسفر عنه التغييرات.

وأوضح لـ”العرب”، أن عملية إعادة رسم الشكل الجديد للفضائيات قاربت على الانتهاء، وأن الحكومة تحاول إدخال إصلاحات وتعديلات على سوق الإعلام التقليدي في الوقت الذي يبقى فيه الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي من دون رؤية واضحة للتعامل معه.

18