لا ضير في المراجعة

إن كان قطب، وهو المرجع، وقد تنقّل من فكر إلى فكر ومن طيف إلى طيف، فالأجدر بمن يواجهون محنة الملاحقة والسجن واستحالة التمكين، أن يراجعوا منهجيتهم. فلا ضرر من ذلك، بل الضرر كله في القفز عن الواقع واعتماد العنف الأهلي سبيلا!
الأحد 2018/10/07
على الإخوان مراجعة منهجيتهم

أنهيت الليلة الماضية قراءة كتاب حلمي النمنم الموسوم “سيد قطب.. سيرة التحولات”. يشغل المؤلف الآن منصب وزير الثقافة في مصر. وكتابه الذي طالعته، هو الثاني عن مخترع مفهوم الجاهلية ومؤسس منطق التكفير، وصاحب فكرة أن الإسلام لم يعد موجودا.

 الكتاب الأول كان عن سيد قطب وثورة يوليو، واقتصر على تبيان التحولات السياسية في حياة الرجل، من خلال دراسة نقدية موضوعية مشفوعة بالإحالات المرجعية والبراهين، ولم يتجن فيها النمنم على الناقد والكاتب، وبعدئذٍ المفكر الإسلامي، الذي يتناوله بالتمحيص.

بالعكس، هو في مقدمة كتابه عن علاقة قُطب بثورة يوليو، يؤكد أن الرجل لا يزال الحاضر الغائب بيننا، رغم مرور أكثر من أربعين عاما على إعدامه، إذ لا تزال أفكاره عن المجتمع الجاهلي الذي نعيش وعن توقف الإسلام عن الوجود، نشطة في معظم المجتمعات والبلدان الإسلامية.

وفي الصفحات الأخيرة من كتابه الأخير عن سيرورات التحول، أزجى حلمي النمنم تمنياته لو أن سيد قطب، كان قد حظي بمحاكمتين قضائيتين أفضل في العامين 1954 و1966.

يحثنا الكتاب الأخير على إجزال النصيحة لمنتسبي “الإخوان” بأن يطالعوا كتاب سيرورات التحول للإفادة منه، وإطلاق عملية مراجعة ونقاش مسؤول. فهم أحوج ما يكونون إليه في هذه الظروف التي يتجه فيها المشروع “الإخواني” إلى الأفول. ذلك لأن سيد قطب يُعتبر حتى الآن، مرجعا معتمدا لدى “الإخوان” ولدى كل أطياف الجماعات الإسلامية التي تفرّعت عنهم وناهضتهم.

فهؤلاء جميعا، اختلفوا ككيانات ومناهج عمل، ولم يختلفوا على سيد قطب. ذلك لأن الغالبية العظمى من منتسبي “الإخوان” لا يعلمون أن أصحاب حسن البنا، مؤسس الجماعة، عارضوا سيد قطب بشدة ورفضوا تكفير المجتمع، وأن الود كان مفقودا بين قطب والبنا، قبل التحاق الأول بـ”الإخوان”، وبعد اغتيال البنا والتحاق قطب بهم، إذ لم يُبجّل البنا في ما كتب، وكان المرشد الثاني حسن الهضيبي هو سنده الوحيد، لأن الرجلين انتسبا قبل “الإخوان” إلى الحركة الماسونية، وكان قطب يكتب المقال الافتتاحي لمجلتها “التاج المصري”.

ولا يعلم اللاحقون، أن قطب، حتى لحظة إعدامه، لم يكن له أي مريدين سوى تنظيمين له شخصيا، من 45 شابا، استلّهما من بين الخارجين من السجون، وكان محمد بديع نفسه واحدا منهم.

فإن كان قطب، وهو المرجع، وقد تنقّل من فكر إلى فكر ومن طيف إلى طيف، فالأجدر بمن يواجهون محنة الملاحقة والسجن واستحالة التمكين، أن يراجعوا منهجيتهم. فلا ضرر من ذلك، بل الضرر كله في القفز عن الواقع واعتماد العنف الأهلي سبيلا!

24