لا طريق أقصر إلى التشدد من التعليم السوداني

يسير التعليم السوداني في طريق معاكس لنهج تتبناه باقي الحكومات العربية. ويقوم هذا النهج على تحديث المناهج عبر فلسفة تخدم تعديل الخطاب الديني المتشدد. لكن التطوير في السودان يعني المزيد من الإيغال في التشدد عبر أسلمة المواد الدراسية، بما فيها الاحياء والتاريخ والجغرافيا.
الثلاثاء 2016/10/11
الجلوس داخل قدر الضغط قبل الانفجار

الخرطوم- منذ نجاح “ثورة الإنقاذ” بقيادة العميد عمر البشير في الوصول إلى الحكم انتقلت فلسفة دينية تحمل طابعا متشددا في المناهج الدراسية السودانية من المدارس إلى الجامعات الحكومية في الولايات (المحافظات). وبمرور الوقت توغلت أيديولوجيا إسلامية في بناء التعليم السوداني، سعيا إلى أسلمة المجتمع.

وفي يناير 2011 كشف خميس كجو كندة، وزير الدولة بوزارة التعليم العالي، عن توجه حكومي لتعزيز الأسلامة في المناهج السودانية، بالإضافة إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية، تزامنا مع إعلان انفصال جنوب السودان. وأصبح السودان اليوم سائرا في طريق مغايرة لتوجهات غالبية الدول العربية التي تكافح تنظيمات جهادية تعمل على نشر أيديولوجيا متشددة. وبدلا من ذلك مازال السودان يتبنى نهجا قائما على “التجديد بالمزيد من الأسلمة”. ويتبنى هذا النهج موظفون كبار يحملون توجها إسلاميا. وظهر هذا التوجه في خطة وضعها مركز تطوير المناهج (حكومي) عام 2013، كانت تهدف إلى “تأصيل (أسلمة) مناهج التعليم العام”.

ومنذ ذلك الحين تواجه وزارة التربية عراقيل واسعة النطاق من قبل معلمين ليبراليين في سعيها لتطبيق الخطة. وتطرح الخطة “إعادة صياغة أهداف المقررات بطريقة تتفق وتتسق مع التوجه الإسلامي للأمة” من خلال الاستشهاد بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في متن المادة العلمية، في منهج الأحياء المقرر على المرحلة الثانية من الثانوية العامة.

طارق نورالدين: إقحام أيديولوجيا إسلامية مدعومة بنصوص قرآنية حتى في مواد العلوم والرياضيات، من أخطر أنواع التشدد الفكري في أي بلد

وفي قسم اللغة العربية تقول الخطة إن “التأصيل (الأسلمة) عملية ملحة لأنه يحول دون الغزو الفكري وآثار العولمة”، واقترح الاقتباس من كتب “الرحيق المختوم” تأليف صفي الرحمن المباركافوري، و”ثقافة الداعية” من تأليف الداعية المتشدد يوسف القرضاوي و”قبسات من السنة” للكاتب الإسلامي الراحل محمد قطب، و”المعلم الداعية” من تأليف عبدالمنعم صبير الذي يشغل منصب مدير المعهد العالي للدراسات الشرعية بالخرطوم. كما اقترحت الخطة لتطوير منهج التاريخ “اعتماد القرآن والسنة كمصدرين للتاريخ، وأسلمة المصطلح التاريخي واعتماد التقويم الهجري وترسيخه مقابل التقويم الميلادي، والتركيز على التاريخ الإسلامي”.

وامتد نهج الأسلمة إلى الجغرافيا والدراسات البيئية، التي طالبت الخطة بتزويد مناهجها بدروس تتناول “التوحيد والرضاء بالقضاء والقدر والصبر على الابتلاء” عند وقوع كارثة طبيعية. وتنتشر اليوم في السودان مدارس تحمل أسماء ذات طابع ديني كـ”الفرقان” و”الهدى والنور” و”التقوى والصلاح”، كما أضيفت إليها صفات “الإسلامية” و”القرآنية” إلى جانب “العالمية” و”الحديثة”.

نهج عنصري

مناهج الدراسة في السودان ذات طابع عنصري. وليس الدين وحده مصدرا للكراهية ضد الأديان الأخرى، لكن تظهر توجهات عنصرية في التعليم السوداني من منطلقات قومية أيضا. وفي درس “أركان الدولة” في المرحلة الابتدائية يقول المؤلف “استوطن أجدادنا هذه الأرض، منذ الآلاف من السنين، لذا يطلق عليهم السودانيون، وهذا يعني أن هنالك من يسكنون معنا لا يطلق عليهم اسم السودانيين، إما لأنهم دخلوا السودان حديثا وإما دخل آباؤهم السودان حديثا، ونقول في هذه الحالة الأولى إن جنسيتنا سودانية، وإننا مواطنون سودانيون، ولا يمكن أن نقول نفس الكلام في الحالة الثانية، فهؤلاء نقول عنهم إنهم مهاجرون أو وافدون أو أصحاب أرض”.

ويقول باحثون متخصصون في الشؤون السودانية إن لغة الفصل بين السودانيين السائدة في المناهج كانت سببا في انتشار النزاعات القائمة على أساس عرقي في مناطق متفرقة من البلاد. وفي درس “الإنسان يبني مجتمعه” في كتاب “محور الإنسان والكون” المقرر على الصف الرابع الابتدائي، يقارن الكاتب بين الإسلام والمسيحية عند الحديث عن تكوين الأسرة عن طريق الزواج.

وقال “يتم الزواج عند النصارى بواسطة القس وحضور عدد من الناس”. ويرى مسيحيون كثر عداء ضمنيا في الإشارة إليهم بمصطلح “النصارى” المرتبط بخلفيات تفتقر إلى التسامح، وتجعل المسيحيين أعداء للمسلمين. ولا تنمي المناهج السودانية النزعات الوطنية عند الطلاب، وتختفي من الكتب الدراسية دروس التربية الوطنية الشائعة في بلدان عربية أخرى، وهو نهج إسلامي بدأته جماعة الإخوان المسلمين بحثا عن خلافة إسلامية أوسع نطاقا. وتحمل كتب الجغرافيا والتاريخ اسم “جغرافيا الوطن العربي”، و”تاريخ الدولة الإسلامية”، وتتسم دروس البحث في أصول القبيلة السودانية بالفقر.

مناهج اللغة العربية تقوم على الاقتباس من كتب دعاة متشددين كيوسف القرضاوي ومحمد قطب ومحمد صبير

ويقول الباحث السوداني التيجاني الحاج عبدالرحمن، في دراسة العام الماضي بعنوان “مداخل لفهم العنصرية في المناهج السودانية”، إن “العنصرية العرقية والدينية في المناهج السودانية ممنهجة، وتعتمد على الإصرار على إقحام النصوص القرآنية في مقدمات ومتون كل الكتب الدراسية، في محاولة لتخطي الأسس التي قامت عليها المعرفة العلمية طوال تاريخها، عن طريق الإصرار على الربط التعسفي للمعرفة الإنسانية بالدين، فضلا عن تضخيم الذات العربية في المناهج ونبذ الآخر”.

مناهج حزبية

يطالب خبراء تربويون الحكومة السودانية بالتخلي عن “حزبية المناهج”، وطالبوا أيضا برفع ميزانية التعليم لتضاهي ميزانية الدفاع، مع التحرر من العصبية الذهنية والحزبية والطائفية والجهوية. وقال طارق نورالدين، الباحث في شؤون المناهج العربية، لـ”العرب” إن “سيطرة إسلاميين على وضع المناهج واستغلالها لأهداف سياسية وإجبار الطلاب على تدريسها بما تحويه من نصوص قرآنية حتى في مواد العلوم والرياضيات، من أخطر أنواع التشدد الفكري في أي بلد، والخطر الأكبر أن يتم إغفال أصحاب الديانات الأخرى وإقصاؤهم من المشهد تحت مبرر أن الأكثرية للإسلاميين”.

وأضاف أن “المناهج السودانية الحالية تخاطب كل الثقافات والعقائد والأديان فيها بلغة واحدة، وهذا تشدد من نوع آخر، وإقصاء لكل ما هو على غير عقيدة وتحزب المسؤولين في دوائر الحكم، ما يجعل من العصبية الذهنية والحزبية والطائفية تنتشر في الوسط التعليمي وتزيد الفجوة بين أبناء المجتمع الواحد، وتضاعف نسبة الأمية في مراحل التعليم”.

17