"لا طريق إلى الجنة" رواية تصور عالما بلا إنسان

السبت 2014/08/30
داوود: أسطرة الواقع وضخه بالكثير من عمل المخيلة، هو فعل مقاومة بالدرجة الأولى

حسن داوود كاتب وروائي لبناني. صدر له عن دار الساقي “مئة وثمانون غروبا” و”فيزيك” و”غناء البطريق” و”أيام زائدة”. في روايته، التي تميزت بالجرأة المذهلة والبناء المتين، “لا طريق إلى الجنة” يسبر داوود أغوار الإنسان الذي يفرض عليه دورا، ولا يلبث أن يكتشف أن هذا الدور -على أهميته- لا ينسجم مع طبيعته الإنسانية ولا مع مشاعره وطموحاته. وهذا ما خلف صراعا عميقا يخوضه بطله بين المفروض والمنشود.

بطل الرواية شيخ، أي رجل دين شيعي، فرض عليه أن يرث عن والده، الذي ورث هو بدوره عن أجداده، “مهنة” رجل الدين، كما هو الحال لدى الطائفة “الشيعية”، التي تتوارث “علم الدين” بعمامته وجبته.


صراع البطل


إنه أمر اختير له ولم يختره هو لنفسه. بعد أن لبس العباءة والعمامة، بقي يشعر أنه مستعير ثياب سواه، حتى أنه كان يستغرب من حاله حين ينظر إليه أحد على الطريق تلك النظرة التي تسبق وصوله إليه، وإلقاء التحية، يراه أصغر مما ينبغي أن يكون، فيعود لينظر إليه ملتفتا نحوه بعد أن يصير وراءه، لكي يتحقق مما استغربه في هذا الشيخ الصغير.

خطب له أبوه فتاة، فسافر معها إلى النجف حيث كان يدرس. يقول عنها: “رحت أفكر في أنها ربما كانت مثلي تنتظر أن تتاح لها حياة أخرى، إنها مثل رفيقاتها من البنات، تحلم بأن تعيش حياة غير التي عاشتها عند أهلها والتي ستعيشها معي”.

قرّر أن يخلع عنه جبّته وعمامته، هكذا من دون أن يعرف كيف سيكون بعد ذلك وماذا سيفعل، هل هو موت والده الذي حرّره؟ هل هي إصابته بمرض السرطان وخوفه على حياته؟ أم ملله من البيت ومن زوجته ومن ذهابه إلى الجامع؟ أم رغبته الجامحة في امرأة أخيه المتوفّى؟

يأخذنا داوود إلى أتون عوالم غريبة، العالم الديني المغلق، والمبني من علاقات غير مألوفة، وعلى مصادرة الفطرة والبراءة

عبر هذه التفاصيل الكثيرة يأخذنا داوود إلى أتون عوالم غريبة في هويّتها، العالم الديني المغلق، والمبني من علاقات غير مألوفة، وعلى مصادرة الفطرة والبراءة، لتنبعث منه قدرة جديدة على التخطي والتطلع إلى المستقبل. ويبني عالما ملؤه الوعي بما هو فطري وتلقائي في الإفصاح عما يكتظ في الأعماق الداخلية من مواقف الغضب والرفض.

مجادلة الخطاب الديني


يجادل الكاتب الخطاب الديني من منطلق واقعي دون مبالغات، منتهكا المفاهيم والمصطلحات واللغة التي باتت تشكل سياجا محرّما على كل مجدد، بهدف تجاوزها وخلخلة البنيات المتكلسة والبداهات المتحجرة، التي تطال العقل والإيمان والفرد، لتصبح هذه الرواية – اللوحة نوعا من تأثيث مقلوب للعالم والوجود، تأثيث يترك للتداعيات وغرائب الصور أن تجرح الذاكرة، وأن تهدم المقاييس، وتلغي ألفة المألوف، أن تستدعي من تاريخ آخر نظام الأشياء وفنّ النكوص.

رواية حسن داوود تحاول أن تستجيب للدعوة الاجتماعية المبكرة التي رافقت بواكير النهضة العربية، تلك الدعوة التي أرادت أن تصرف الأذهان عن المعتقدات البالية، المعيقة لنهضة البلاد . فتحاول تصوير المجتمع اللبناني كغيره من المجتمعات الإسلامية، يرتد في قواعده السلوكية ونمط المعايير السائدة لديه، إلى تفاعله مع الثقافة الدينية بجميع تياراتها في مختلف العصور، منذ العصر الإسلامي الأول.

التمرد لدى حسن داوود طموح إلى التفرد

إضافة إلى أن الكثير من القواعد السلوكية والتقاليد التي تواضع المجتمع على احترامها تفرض وضعا قهريا، بل إنها ترتد أحيانا إلى نظام المجتمعات التقليدية الممعنة في جهلها ورفضها لإمكانيات التكيف.

ومن الواضح هنا أنّ الفضاء الطبيعي يتألّف من أجزاء متعددة، ولكنها أجزاء لا تصنع أيّ “مشهد طبيعي” متجانس في وسع الذاكرة البصرية أن تستعيده على الفور من مخزونها البصري، فيكون “بلال” في هذه الصورة، التجسيم الحقيقي لما يتواضع عليه المجتمع التقليدي في تلك الفترة من إيمان، ورضوخ للقوى الخارقة والمعتقدات المتخلفة.

أسعفت الكاتب في تجسيمه لعوالمه السردية اللغة القوية، فالرواية واقعة تحت تأثير اللغة المتحرّكة، في مستوى المُنجَزِ، وفق قانون التمرّد والمغايرة. هي مغايرة لروايات المركز. وهو تمرّد على الإرث السائد بغاية تجسيد المتفرّد، وتنكّر للضوابط والتحديدات. فعنوان الرواية “لا طريق إلى الجنة”، لمْ يكن عامل تعيين وتوضيح، بقدر ما ساهم في قذف القارئ ضمن معادلة التوافق بين المنجز والأطروحات الموظّفَة في استنطاقه وتأويله. هو ضرورة في تمثّل النصّ من حيث هو مفهوم مجرّد ومن حيث هو مادّة اشتغال موصوفة بالتعدّد والانفتاح اللانهائيّ.
اللغة تتداخل في علائق دلالية ذات طابع غرائبي، وفي تناظرات صوتية حادة أقرب إلي تنظيم النشاز لخلق التآلف. وهي تقصي القارئ عن خطوط استقباله الواعي “التقليدي” لدلالات الألفاظ، وتدفعه إلى المستوي السحري الخام للمفردة حيث تدور عمليات الاستقبال في محاور استعارية ـ لاواعية. أسطرة الواقع وضخه بالكثير من عمل المخيلة، هو فعل مقاومة بالدرجة الأولى، وهو خيار يتصل بالمؤلف من خلال الهيمنة على الشخوص، في لحظات من القص،عادة ما تكون منفلتة من خيطها السردي المشدود إلى نفسه.

كذلك التنويع في الإجراءات التعبيرية، يشكل دلالة تضافرية للنص، بمنحه تركيبا فريدا ومعمقا لمعنى الجمل وكيفيتها التعبيرية والفراغية في الفضاء النصي. غير أن ذلك لا يكون على حساب المعالجة الفكرية للفكرة في حدّ ذاتها ولا على حساب التفريط في الخاصيات الكتابية لداوود. دون أن يُفهَم من ذلك مفاضلة ساذجة فيما بين الشكل والمضمون، إذ لا يوجد في الفن فصل أو استقلالية للمقول عن كيفيته. فالتركيب يعيد ترتيب العادي ليستخلص منه ممكناته الغافلة عن النظرة العادية.

16