لا طلاق للمسيحيين في مصر باسم "سلطان الكنيسة على الشعب"

خبراء يستبعدون أن تخوض الحكومة المصرية معارك دينية، ولا تريد إلزام الكنيسة بالنظر إلى طبيعة الزواج كعقد مدني، فالدستور يعطي للكنائس الحق المطلق في الاحتكام لشرائعهم.
السبت 2018/03/17
مأزق الكتاب المقدس

القاهرة - في خطوة اعتبرها البعض مقدمة لأزمة جديدة، فتح قرار لنيابة الأسرة في مصر بقبول نظر دعوى خلع زوجة مسيحية جدلا، لأنه أول قرار يقترب من التعامل مع دعوى طلاق لزوجين مسيحيين من نفس الملة بعدما كان الأمر قاصرا على الأزواج من ملل مختلفة.

تبدو هذه القضية مصرية، لكنها تمس الكثير من الأفراد ذوي الديانة المسيحية في مجتمعات عربية مختلفة، ربما تكون في لبنان فقط ليست ذات بال، لأن لبنان تخلص من عيوب كثيرة بإقراره الزواج المدني، كما أن تونس قد تنجح في معالجة عيوب هذا النوع من القضايا المجتمعية عقب الحديث المتواتر عن سد ثغرات كبيرة لها علاقة بالزواج والطلاق والميراث.

بدأت القصة في مصر عندما نجحت رشا أبادير عن طريق محاميها أحمد فره، في الحصول على قرار من رئيس نيابة الأسرة في منطقة المنتزه بمحافظة الإسكندرية على البحر المتوسط، بقبول دعوى الخلع من زوجها التي أقامتها دون أن تُقدم على تغيير ملتها كما تفعل أغلب الزوجات المسيحيات في القضايا المشابهة، وهي قضية محل اهتمام كبير من المجتمع المسيحي، تطفو تارة وتتوارى تارة أخرى، لكنها في النهاية متداولة اجتماعيا ولها تداعيات على قطاعات عديدة.

أثار  قرار محكمة بقبول النظر في دعوى خلع زوجة مسيحية من زوجها في سابقة أولى للقضاء المصري، نقاشا واسعا داخل المجتمع، ومنح القرار أملا لنحو 300 ألف زوج وزوجة لتحقيق حلم الانفصال، لكنه حمل نذر أزمة حول مشروعية استناد المحاكم للشريعة الإسلامية في نظر القضايا المحتمعية للأقباط، وجدد حنقهم ضد ممثلي الكنائس الثلاث في مصر لتقاعسهم عن إقرار القانون الموحد للأحوال الشخصية لحل الأزمة المتجذرة

كانت الزوجة العشرينية تقدمت بطلب الخلع إلى الكنيسة وجوبهت بالرفض، قبل أن ينجح محاميها في الحصول على قرار من نيابة الأسرة بحقها في طلب الخلع مستندا إلى بحوث مطولة قام بها في مضمون الأناجيل المختلفة.

وتأكد له خلالها أن عبارة “لا طلاق لغير علة الزنا” التي ترفعها الكنيسة المصرية كشعار في وجه من يطالبون بتشريع الطلاق لم ترد في أي إنجيل، كما أن المحاكم تستند في قضايا النفقة والمواريث عند الأقباط للشريعة الإسلامية، بعكس ما يحدث في قضايا الطلاق ما يكشف عوارا قانونيا.

وتنظر المحكمة المختصة بشؤون مجتمعية من هذا النوع في القضية المشار إليها الأيام المقبلة، وقد تنتهي برفض الدعوى لعدم الاختصاص، إلا أن الأمر جدد النقاش في أوساط قبطية حول الخلع، وجدد الحنق من تباطؤ الكنائس الثلاث (الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية) في إقرار القانون الموحد للأحوال الشخصية.

وأوضح القمص يونان مرقص أن الكنيسة ترفض تطليق الحاصلين على أحكام قضائية بالخلع من المحكمة، لأسباب غير علة الزنا، والذي اقتصر عليه الطلاق منذ عام 2008 حين ألغى البابا الراحل شنودة الثالث لائحة 1938 التي كانت تتيح أسبابا أخرى لطلاق الأقباط.

وأكد لـ”العرب” أن هناك آباء متخصصين بالكنيسة يدرسون أحقية الفرد في الحصول على قرار الانفصال، ويكون في شكل قرار ببطلان زواج يوازي في مضمونه قرار الطلاق لكنه لا يكون بشكل خلع.

وأشار إلى أن الديانة المسيحية “لا تعرف الخلع″ وليس هناك نص بالكتاب المقدس حول ذلك، فالعلاقة الزوجية بين الأقباط من الأسرار الإلهية ولا يجوز المساس بها أو مناقشتها أو هدمها وحتى الأحكام القليلة الصادرة بالطلاق بين المسيحيين لا تنهي العلاقة الزوجية، وهي طلاق مدني توافق عليه الكنيسة أولا ويؤدي إلى الانفصال الجسدي دون إنهاء حقيقي للعلاقة الزوجية ولا يجوز لأي منهما الزواج، وإلا بات زانيا.

غضب الشعب

 300 ألف قبطي عالقون في زيجات فاشلة
 300 ألف قبطي عالقون في زيجات فاشلة 

برر المتضررون من جمود الموقف الكنسي تجاه الأزمة في الهجوم على الكنيسة نفسها والمسؤولين فيها والتأكيد على أن القساوسة والآباء الذين يشرعون الأمور الاجتماعية للأقباط لا يعيشون حياة عادية مثلهم ومن ثم لا يدركون المشاكل الحياتية التي يعاني منها هؤلاء، ما يشكك في أهليتهم للتشريع من الأساس.

وقال شاب قبطي، رفض ذكر اسمه، بغضب إن صلته بزوجته انتهت منذ سنوات ولم يملكا القدرة على إنهاء زواجهما رسميا بالطرق القانونية. وأضاف لـ”العرب” أن اعتراض المجمع المقدس على لائحة 38 عام 1958 كان في المقام الأول لتأكيد سلطان الكنيسة على الشعب، لأن الزواج في المسيحية سر من أسرار الكنيسة السبعة ولا يتم إلا بمعرفتها بما لها من “سلطان ديني” يخول الكاهن الشرعي مباشرة إتمامه فلا يجوز فسخه إلا بمعرفة الكنيسة.

هذا القرار يوضح أن كل ما يهم الكنيسة هو سلطانها الديني على الأقباط، وهو سر انزوائهم في المجتمع تحت سلطان الكنيسة.

وتحدثت سحر تادروس (محاسبة) بتلقائية عن أن المواد التي تعطل حياة الناس والمجتمع لا يمكن أن تتفق مع عدل الله الذي لا يرضيه الظلم، فبأي عقل أو أي منطق يحكم على زوجين لا يطيقان بعضهما البعض بالبقاء معا حتى يجهز أحدهما على الآخر ليتسنى له أن يتزوج مرة أخرى، وهذا حدث بالفعل؟

وتساءلت مستنكرة ما هي نهاية هذه الحياة، القتل أم الجنون أم الانتحار؟ وهل من العدل أن تعتبر المطلقة (مدنيا) زانية إذا أرادت الزواج مجددا والاستقرار و”العيش في الحلال”، بينما لا تجد الكنيسة مشكلة أن تبقى نفس السيدة في عصمة زوجها وتلجأ في الخفاء للزنا والعلاقات الحرام.

وقال سمير تناغو الأستاذ بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية والمتخصص في قوانين الأحوال الشخصية لغير المسلمين، إن المذهب القبطي الأرثوذكسي في مصر أجاز الطلاق لعلة الزنا، لكنه أدخل تفرقة لم يرد ذكرها في النص بين الزوج المذنب والزوج المجني عليه، لأن الكنيسة تسمح بزواج المطلقة والمطلق إذا كان هو الطرف المظلوم ولا تسمح بزواج الطرف المذنب.

مهتمون بالشأن المجتمعي المصري يرون أن المسيحيين يتحايلون، وأحيانا بمباركة الكنيسة، لإجبار المحاكم على الاستناد للشريعة الإسلامية مثلما يحدث في قضايا المواريث والطلاق عبر تغيير الملة

وأكد تناغو أن الدولة لا تستطيع أن تتخلى عن مسؤوليتها في مواجهة مواطنيها المسيحيين أمام تعنت الكنيسة، لافتا إلى وجود حالات مشابهة للأزمة الحاصلة في مصر، ومنها ألمانيا مثلا التي أصدرت المحكمة الفيدرالية العليا هناك حكما تاريخيا عام 2006 قررت فيه أن أحكام الشريعة الكاثوليكية التي لا تجيز الطلاق تخالف النظام العام في ألمانيا والزواج علاقة إنسانية لا يجوز إجبار أي زوج على الاستمرار فيها إذا فقد الزواج معناه.

مشروع أزمة

فجر القرار الذي أصدرته نيابة الأسرة بالإسكندرية مسألة طائفية منسية حول مشروعية استناد المحاكم المصرية إلى الشريعة الإسلامية في بعض القضايا الاجتماعية الخاصة بالمسيحيين، وهل يعد هذا اعتداء على حق المواطنة والدستور المصري الذي منح الطوائف حق الاحتكام إلى شرائعهم؟

لكن هناك من يستبعدون وصول الأمر إلى مرحلة الأزمة، مستدلين على ذلك بأنه حدثت في السابق مواقف مشابهة كثيرة أثارت الجدل حول مشروعية تطبيق الشريعة الإسلامية على المسيحيين وكلها جرى تسكينها لأسباب سياسية وانتهت بلا حل.

ويرى مهتمون بالشأن المجتمعي المصري أن المسيحيين يتحايلون، وأحيانا بمباركة الكنيسة، لإجبار المحاكم على الاستناد للشريعة الإسلامية مثلما يحدث في قضايا المواريث والطلاق عبر تغيير الملة، ما ينفي عن الحكومة فكرة فرض الشريعة الإسلامية على الأقباط دون رضا.

ويرى نجيب جبرائيل مستشار الكنيسة، أن مطالبة الأقباط بالاحتكام إلى شرائعهم في الأحوال الشخصية أمر قديم، لكنه لا يتحقق بشكل كلي ولا تزال هناك محاكم تستند إلى الشريعة في قضايا المواريث وبعض قضايا الطلاق، مع أن هناك لائحة أحوال شخصية للأقباط الأرثوذكس تعمل بها محاكم أخرى. ولفت إلى أن الآلاف من الأحكام القضائية الصادرة للأقباط بالطلاق أو الزواج الثاني استندت للشريعة الإسلامية وليس المسيحية، ما يجعل الكثير من الشباب القبطي في حالة غضب مكتوم ولا يعرف أحد متى يمكن أن ينفجر؟

لقد أصبحت القضية بمثابة قنبلة سوف تنفجر في وجوه مسؤولي الكنائس الثلاث الذين يسوّفون الاتفاق على القانون الموحد للأحوال الشخصية حتى الآن، مستهينين بمعاناة ما يقرب من 300 ألف حالة يرغب أصحابها في الطلاق لاستحالة العشرة دون أن يجدوا سبيلا لتحقيق رغباتهم.ويتوقع أن تحرك قبول دعوى الخلع لمتحدي الملة المياه الراكدة بين الطوائف الثلاث، كي يسرعوا لإنهاء تشريع قانون الأحوال الشخصية الموحد للأقباط وفي حال إصداره لن يلجأ أي قبطي لطلب الخلع.

ولفت أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أنه لا يوجد حصر دقيق للحالات التي تطلب الطلاق، ويعلمون أنها مشكلة كبيرة، وتغيير الملة الذي شكّل لسنوات الباب الخلفي.

لذلك كان محل الخلاف بين الطوائف المسيحية، وهو ما تمت مراعاته أثناء وضع قانون الأحوال الشخصية لأنه سيكون قانونا موحدا لا يحتاج الشخص صاحب المشكلة للتحايل عليه للحصول على الطلاق ويعود بعده للطائفة التي خرج منها.

وتمنى رئيس الطائفة أن يصدر القانون الموحد في أسرع وقت لإنهاء هذه الخلافات، ويلتقي رؤساء الكنائس للتباحث حول المشروع النهائي، لأنهم متفقون على ما يزيد على 95 بالمئة من بنوده.

وتم التوصل مؤخرا لحل بتقديم القانون في المواد المتفق عليها مع وضع مادة تخص أتباع كل طائفة وحدها لأنه لا يمكن التوافق مئة في المئة على مواد القانون. وكشفت مصادر كنسية، لـ”العرب”، أن هناك خلافا حقيقيا بين الطوائف، وعلى الحكومة أن تحدد فترة زمنية معينة لإجبار الكنائس على الانتهاء من القانون الذي أصبح غيابه يثير فتنة في المجتمع. وثمة مواد تتشبث بها كل كنيسة وفقا لتعاليمها، وترى أن تعديلها يعد مخالفة للكتاب المقدس من وجهة نظرها، وإن لم تتدخل الحكومة ستظل الاجتماعات مستمرة دون جدوى.

ويعتبر بيشوي أبانوب عضو ائتلاف متضرري الأحوال الشخصية، أن الحكومة هي المعنية بالأمر وليس الكنيسة، وضرورة وجود عقد زواج مدني للأقباط شأن يخص الأولى ويجب عليها القيام به لحل أمر الأزواج المعلقين بين الطلاق المرفوض بسبب قوانين الكنيسة والحياة الزوجية المستحيلة.

تغيير الملة

تغيير الملة أصبح نوعا من التحايل للحصول على طلاق من الصعب نيله بالطرق المباشرة
تغيير الملة أصبح نوعا من التحايل للحصول على طلاق من الصعب نيله بالطرق المباشرة

يلجأ البعض لوسيلة تغيير الملة من أجل التطليق من شركائهم مستخدمين قانون الخلع، ومنذ صدوره عام 2000 والمحاكم تنظر في دعاوى كثيرة أقيمت لغير المسلمين، لكنهم مختلفو الملة. وفي السابق عمدت مسيحيات إلى تغيير الملة أو الطائفة ورفعن قضايا يطلبن فيها الخُلع، وطبقت المحكمة عليهن الشريعة الإسلامية، ونلن الطلاق مدنيا ومن أشهر تلك الدعاوى قضية الفنانة المصرية هالة صدقي.

ومنذ أيام قليلة تقدمت سيدة قبطية لمحكمة الأسرة مطالبة بالخلع وديا، بعد زواج استمر نحو 30 عاما، وقامت بتغيير ملتها وانضمت لطائفة الروم الأرثوذكس التي تسمح بالتطليق ممن أساء المعاملة.

وتحول موضوع تغيير الملّة إلى تجارة مربحة حيث تقدر تكلفة استخراج الشهادة الواحدة بين 30 إلى 40 ألف جنيه مصري (حوالي 1700 إلى 2300 دولار) يدفعها الراغب في الحصول على مستند انتسابه إلى طائفة أخرى غير طائفته الأصلية في صورة “تبرعات” بجانب مصروفات المحامي، لأن الانتساب عن اقتناع لا يحتاج سوى أن يذهب الشخص إلى الكنيسة التابعة للطائفة الجديدة ليمارس شعائرها دون شهادة تثبت انتسابه لها.

وأصبح تغيير الملة نوعا من التحايل للحصول على طلاق من الصعب نيله بالطرق المباشرة، لهذا لجأ بعض القضاة لرفض أحكام الطلاق حتى في حالات تغيير الملة لأحد الزوجين المتقاضيين، لاستشعار القاضي بالتحايل، واستندوا في رفضهم لأسباب إجرائية مثل وجود خطأ في الشهادة نفسها أو لأنها غير معتمدة من مدير الأمن أو لأن الشهادة صادرة عن طائفة خارج مصر.

وأشار المحامي رمضان السيد إلى أن الزواج المسيحي يقوم على عقدين، كنسي ومدني في ذات الوقت، فهو بالنسبة للكنيسة سر مقدس لا يتم التدخل فيه أو تعديله، وطبقا للدولة وقوانينها عقد يجوز فسخه أو إبطاله.

وأكد لـ”العرب” أن الحكومة المصرية لن تخوض معارك دينية، ولا تريد إلزام الكنيسة بالنظر إلى طبيعة الزواج كعقد مدني، فالدستور يعطي للكنائس الحق المطلق في الاحتكام لشرائعهم.

 

20