لا عزاء للسنة العرب في العراق عدوهم بينهم

الخميس 2014/11/13

أغبياء وسذج وخونة أولئك الذين يطالبون بنشر قوات برية أميركية في مناطقهم في محافظتي الأنبار وصلاح الدين لمحاربة مجاميع الدولة الإسلامية، التي زاد نشاطها واتسعت المناطق التي سيطرت عليها عقب الغارات الجوية الأجنبية على مواقعها في العراق وسوريا، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة الصحوات وما رافقها من مرارة كان ضحيتها الآلاف من المواطنين وخراب اجتماعي وعداوات وثارات، تصاعدت في الأحداث الدامية الأخيرة في هيت وازوية وتكريت وبيجي ومناطق أخرى.

هؤلاء الذين هم خليط من شيوخ سابقين أكبر عاقل فيهم لا يستطيع الوصول إلى بيته أو منطقته ووزراء ونواب ومحافظون ورؤساء وأعضاء مجالس محلية، جاءت بهم المحاصصة الطائفية وعمليات التزوير إلى مقاعدهم الوثيرة، بحت أصواتهم جراء التوسل لاستقدام قوات أميركية برية لحماية أنفسهم وعوائلهم ومصالحهم من هجمات “داعش”، وهم يتغافلون عن حقيقة أنهم كانوا جزءا من خراب مناطقهم بسبب جشعهم واستمرار سرقاتهم وانشغالهم بمقاولاتهم وصفقاتهم التي أغدقها عليهم نوري المالكي في السنوات القليلة الماضية، وهم يعرفون سلفا أن منافع (أبي إسراء) إليهم ليست حبا في سواد شواربهم وليست عشقا لأهازيجهم المضحكة، وإنما عمد رئيس الحكومة المنقرضة بعطاياه ومكافآته اللا قانونية إلى نشر الفتنة وبث الشقاق في عشائرهم ومجتمعاتهم وهو صاحب المقولة المشهورة (بأسهم بينهم) والقصد واضح.

قبل أيام شاهدنا النائب غازي الكعود على شاشات الفضائيات يناشد أميركا وإيران وإسرائيل والحشد الشيعي نجدة عشيرته (البونمر) في هيت وازوية وبروانة من هجمات “داعش”، ولأنه رجل طارئ على السياسة ولا يفهم خفاياها ودهاليزها، فقد توهم بأن هذه الدول والجهات ستهرع إليه وتلبي نداءاته وتجيّشُ الأفواج والكتائب لإغاثته دون أن يعي أبعاد المؤامرة الكبرى التي تتعرض لها محافظة الأنبار خاصة، والمحافظات السنية العربية عامة منذ الاحتلال الأميركي إلى يومنا الراهن من الدول والأطراف التي توجه إليها بتوسلاته.

هذا النائب، الذي كان في الفترة السابقة عضـوا في مجلس محافظـة الأنبار، وغيره من مسؤولي المحافظة لعبوا دورا تخريبيا فيها، وانحازوا بالكامل إلى المالكي وحرضوه على رفض مطالب الحراك الشعبي، رغم مشروعيتها وتواضعها، وقدموا معلومات مضللة عن واقع المحافظة المزري وخوفوه من “الداعشيين”، ولم يكن واحد منهم قد وصل إليها في نهاية عام 2012 ومطلع عام 2013، ولجأوا إلى تصوير لقطات وأفلام لملثمين من أتباعهم وهيأوا لهم سيارات حكومية من آخر طراز، وقالوا إنهم قدموا من سوريا، وقدموها بمساعدة صاحبهم وزير الدفاع السابق سعدون الدليمي إلى المالكي الذي تصنّع أنه يصدقهم القول وهو على قناعة بأنها مسرحية مفتعلة، ولكنه وظفها لصالحه ما دامت تصب في خدمة سلطته، وكانت النتيجة أن العملية برمتها مثلت إشارة لـ”داعش” وإيذانا لدفع مقاتليها من جنوب الموصل وتخوم الجزيرة في أعالي الفرات، إلى القائم والحدود مع دير الزور السورية.

لقد كانت مدن الأنبار وقصباتها عند انطلاق حراكها الشعبي تكاد تكون خالية من القاعديين و”الداعشيين” باستثناء أنفار هنا وهناك، كانوا يستخفون بالتظاهرات السلمية والاعتصامات المدنية وصلوات الجمع الموحدة ويعتبرونها بدعا تضر ولا تنفع، وقد دخل الشهيد خالد الجميلي قائد حراك الفلوجة في جدال صاخب مع الفئة القاعدية الصغيرة في المدينة، التي كانت تستنكف من المشاركة في مسيرات سلمية واجتماعات شعبية، وبدلا من دعم هذا الرجل في دعواته الإصلاحية، فقد تآمر عليه عملاء المالكي واغتالوه، فارتاحوا من خطبه التي شددت على الأُخوّة العراقية والوحدة الوطنية والحوار، وشمت القاعديون بقتله وراحوا يشنعون على سلميته، ويهزؤون بتصريحاته في نبذ العنف وتجنب التطرف مع القوات الحكومية.

إن الوقائع الميدانية والأحداث السياسية أثبتت أن النواب والوزراء والمسؤولين المحسوبين على السنة العرب الذين اصطفوا مع المالكي في الفترة السابقة، والتفوا حول حيدر العبادي حاليا، هم أصل البلاء الذي حل على بغداد ومحافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك وشمال بابل، فهم إما متواطئ مع جرائم رئيس الحكومة السابق، أو مشارك بها من خلف الستار أو محرض عليها، بينما من قال “لا” للمالكي، أو رفض الخضوع له كان مصيره الملفات المليئة بتقارير المخبر السري والمادة (4 ســنّة) والاعتقال والملاحقة، وما حصل لمحمد الدايني وأحمد العلواني وأسعد الهاشمي وعبدالناصر الجنابي خير شاهد.

واليوم، ومناطق ومحافظات السنة العرب تئن من احتلال تنظيم الدولة الإسلامية وهجمات المليشيات الشيعية، لاحظوا كيف يتصرف النواب والوزراء والسياسيون السنة. هل أغاثوا قرية أو أنصفوا حالة؟ أبدا، إنهم منشغلون بتحقيق مآربهم متناسين ما يحصل لأهاليهم وأقاربهم ومناطقهم من تدمير وتخريب، حتى وصلت الدرجة بأحد النواب الذي “لحم أكتافه” من (فضلات) عدي وقصي وحسين كامل وصدام كامل، إلى التحريض العلني ضد أناس أبرياء لم ينتخبوه في محافظة صلاح الدين، واتهامهم بأنهم قتلوا جنود الحكومة في قاعدة (سبايكر) ونشر أسماءهم في فضائيته، التي يغير اسمها وبرامجها حسب تقلباته السياسية والارتزاقية، والجميع يعرف أن كثيرا من تلك الأسماء تسلمها من ملفات المالكي وسجلات عصائب الخزعلي و(بدر) العامري واستخبارات قاسم سليماني.

وما يحدث بين أسامة النجيفي وسليم الجبوري وصالح المطلك وجمال الكربولي والنائب التعويضي مشعان ركاض الجبوري من مهاترات وتبادل اتهامات، من يطلع عليها أو يقرأ قليلا منها، يتقيأ من لغتها المتهرئة وسفالة عباراتها وقلة الأدب فيها، وبعد كل هذا وذاك كان الله في عون السنة العرب وهم بين سيوف “داعش” تقطع رؤوسهم، وبين جلاوزة العامري والخزعلي تهدم بيوتهم، وبين حقارة أنذال محسوبين عليهم آخر ضلالاتهم دعوة الأميركان إلى احتلالهم من جديد.


كاتب سياسي عراقي

8