لا عزاء للمعتدلين.. نجاح التشدد في فرض مقولاته

مستقبل الإصلاحيين أو المعتدلين داخل جماعات التشدد الإسلامي بات هذه الأيام محل تساؤل، وأصبح السؤال الأهم الآن هو، هل يمكن أن ينجح معسكر العقلاء دعاة التهدئة والمراجعة في فرض منطقه ومنهجه، أم أن الغلبة ستكون لتيار التشدد الداعي إلى الاستمرار في العنف واللجوء إلى السلاح؟ الكثير من الخبراء يؤكدون أن المتشددين هم الذين يتسيدون المشهد حاليًا، وفي طريقهم إلى جذب جماعات الإسلام السياسي نحو المزيد من التطرف والمغالاة.
الجمعة 2017/03/03
جنازة عبدالرحمن: مهرجان لشحذ أدوات التشدد

البيان الصادر عن “الجبهة السلفية” في مصر، الأربعاء، الذي تضمن هجوما حادا على من كل من يناصر أميركا في حربها ضد تنظيم داعش، أشر على استمرار منهج التشدد ومواصلة العنف لدى جماعات الإسلام السياسي، وعدم الرغبة في السعي لأي تهدئة أو مراجعات. البيان لم يتردد في وصف كل من يشارك في التحالف الأميركي ضد داعش، بالخيانة لله ورسوله، وقال إن “الحرب في حقيقتها هي حرب على الإسلام والمسلمين، وهي لا تستهدف تنظيم الدولة وحده، ولا تأمين الشعب العراقي، وإنما تأمين مصالح أميركا وديكتاتوريتها بالمنطقة”.

دارسون للحالة الإسلامية، حذّروا مما أطلقوا عليه “هزيمة الأفكار الإصلاحية داخل الجماعات الإسلامية”، ودللوا على تلك الرؤية، بأن مشهد جنازة عمر عبدالرحمن، الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية بمصر، وشى بأن التيار المتشدد داخل الحركة الإسلامية هو الأعلى كعبا من الصوت الإصلاحي، وأن التشدد يكسب أرضية جديدة نتيجة توظيفه لأحداث سياسية محلية ودولية.

تلك الرموز “الإصلاحية” داخل وخارج الحركة الإسلامية، تعاني في الوقت الراهن مشكلات متداخلة. فهناك حملات تشويه مستمرة ضدهم من خلال الكتائب الإلكترونية للجماعات المتشددة، والتي تتهم الإصلاحيين بالخذلان والعمالة للسلطات، فضلا عن قلة الداعمين لهم وسط مناخ سياسي وفكري يغذي نزعات التكفير، مع مخاوف من محاولات تصفيات جسدية من مجموعات مسلحة، وتأكد ذلك بتلقي البعض منهم تهديدات بالقتل، وورود أسماء ضمن قوائم اغتيال، ومنها القائمة الأخيرة التي أصدرها تنظيم داعش.

خبراء في شؤون الحركات الإسلامية أرجعوا ضعف موقف الإصلاحيين، إلى وقوفهم في مواجهة تنظيمات تعتمد على تجنيد الأتباع الذين اعتادوا التلقي من قادتهم مباشرة، ورفض مدارس النقد والأفكار الإصلاحية، ومن ثم فهم غير مستعدين للبحث أو للتفكير باستقلالية، وغالبا ما تفضل الأصوات الإصلاحية، أمام هذا التحجّر الفكري، الصمت والانزواء، هربا من تربص وبطش التنظيمات بهم.

أحداث السنوات الست الماضية فضحت المستويات الحقيقية لقادة التنظيمات المتشددة، وأثبتت افتقارهم لتصور شامل بشأن دور التيار الإسلامي، ولجوءهم إلى توظيف العاطفة الدينية في المكايدة السياسية وإثارة الكراهية الدينية للنظم السياسية، وتعمدهم محاربة أصحاب الرؤى النقدية لإضعاف مواقفهم سعيًا للاستمرار في فرض الرؤى المطلقة، التي تخفي أداءهم المتواضع.

علاوة على هذا، فإن جماعات الإسلام السياسي تفتقر إلى رؤى متماسكة في مواجهة التحديات المعاصرة، ما يدفعها لاستدعاء مثيرات الصدام والعزلة، وتنخرط في الانتقائية التاريخية والتسطيح المنهجي، وصولا لصيغة أيديولوجية قادرة على إبقاء أتباعهم في ساحات الصدام ضد الدولة.

سيد قطب جديد

في الحالة المصرية، عانت الجماعة الإسلامية من شبه انهيار بعد سقوط الإخوان، حيث كانت مجمل أطياف الإسلام السياسي قد راهنت على ضعف الدولة، وتوظيف الغضب الشعبي والحشود الجماهيرية، بدعم من بعض القوى الخارجية، وهو ما لم يتحقق.

موت عمر عبدالرحمن وما تبعه من توظيف لجنازته، أغرى قادة التشدد بالسير في مسار المغالبة وإسكات الصوت النقدي

أما الآن، فإن الجماعة الإسلامية تحاول استثمار موت زعيمها عمر عبدالرحمن في السجون الأميركية، لاستعادة قوتها وإعادة إنتاج المناهج المتشددة، وتلميع قادتها التنظيميين، وذهب خبراء إلى حد القول بأن الجماعة بصدد تخليق “سيد قطب” جديد، في مواجهة جهود الرموز الإصلاحية التي لا تلقى استجابة كبيرة داخل الحركة.

جماعات الإسلام السياسي، فشلت في تطوير مبادرات نبذ العنف ومنحها مصداقية على الأرض، وفي محو الصورة الذهنية السلبية عن الحركة الإسلامية التي رسخت في وجدان المصريين طوال عقود، فضلًا عن فشلها الذريع في تصدير رموزها الإصلاحية للتعبير عنها، بوصفهم الأقدر على تحقيق تلك الأهداف، وعلى التعامل مع التيارات السياسية والفكرية المتعددة الأخرى، والأنسب لتوثيق العلاقة مع مؤسسات الدولة.

أسندت تلك الجماعات مهام قيادتها للرموز الأكثر تشددا، سواء القطبيين بجماعة الإخوان، أو المحسوبين على الجناح الجهادي المتحفظ على كثير من بنود مبادرة وقف العنف بالجماعة الإسلامية، ما اضطر الرموز “الإصلاحية” للابتعاد عن العمل التنظيمي، والاكتفاء بطرح الرؤى الفكرية الإصلاحية النقدية من خلال البعض من المنافذ الإعلامية والصحافية، وهو ما أسهم في زيادة إنفراد القيادات المتشددة بالمشهد التنظيمي أكثر.

على جانب آخر، رأت الرموز الإصلاحية، ضرورة تطوير مبادرات نبذ العنف التي كان قد طرحها التيار الجهادي المصري في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وتأصيلها استراتيجيا وتحصينها فكريا باجتهادات خاصة بملفات كثيرة عالقة لم تحسم، مثل قضية “الحاكمية”، وتصحيح علاقة الجماعات مع الدولة والمجتمع، وإعادة رسم مهام وأدوار التيار الإسلامي داخل المجتمع، بحيث يصبح مساندا للدولة، لا عائقا لها. ودعا الإصلاحيون إلى معالجة الرؤى المغلوطة التي أدت للصدام مع الدولة في السابق، سواء ما يتعلق بالتصورات الفقهية أو الفكرية، أو ضبط العلاقة مع الحكام، أو ضرورة مواءمة الواقع مع التحديات، وتنقية الفكر من التكفير والغلوّ.

وطالبوا كذلك بتفكيك وحلّ التنظيمات القائمة، وشددوا على أن التغيير المنشود لا يتحقق إلا بتعاون الجميع، وبشراكة متوازنة بين كل التيارات، ودعوا إلى الحفاظ على “التجربة الحزبية الإسلامية” الوليدة، كضرورة لمنع مسارات التطرف، والحد من لجوء الشباب إلى التكفير والعمل السري، ولاستيعاب طاقات الشباب وتدريبهم على الأداء السياسي والدخول في فعاليات تنافسية، دون التورط في أخطاء من شأنها إثارة الفتن وتهديد السلام الاجتماعي.

فشل الإصلاحيين

كل هذه الجهود باءت بالفشل، لأن القيادات الفعلية للتنظيمات رفضت هذا المنهج، ورأت أن من شأنه تقويض مساعي المنافسة على السلطة، وزعموا أن الرموز الإصلاحية تسعى عمدا لإقصائهم عن الساحة والمشهد السياسي، وأن مبادرة “وقف العنف” التي يتحدث عنها الإصلاحيون، لا تعنى سوى “ترك العمل المسلح وحقنا ومبادئنا وقيمنا التي عشنا ومات شهداؤنا من أجلها”. ويفسر مراقبون هذا الموقف بعدم امتلاك القيادات المتشددة للرؤية والمناهج، والقدرة على المنافسة السياسية بكوادر تتميز باحترافية الأداء، ما يؤدى إلى اللجوء لما يجيدونه فقط من إعلان للمفاصلة والصدام بالخطاب الحربي المعهود المشبع بالإسقاطات الدينية.

موت عمر عبدالرحمن وما تبعه من توظيف لجنازته، منح قادة التشدد الفرصة لتجاوز مطالبات محاسبتهم على أخطاء المرحلة السابقة، وأغراهم بالسير في مسار المغالبة وإسكات الصوت النقدي.

ورجّح مراقبون، أن تُسهم أجواء موت عمر عبدالرحمن، ونجاح الجماعة الإسلامية في توظيف جنازته التي شهدت في تعزيز مكانة قادة التشدد، استنادا لانجراف الغالبية داخل الجماعات والبعض من عوام الناس وراء العاطفة، وعدم الميل لتقبل النقد الفكري لإنتاج وأطروحات قادة الإسلام السياسي، وهو ما سيأخذ جماعات الإسلام السياسي في المستقبل نحو المزيد من التطرف، ويسكت الأصوات الخافتة الداعية إلى الإصلاح.

13