لا فرق بين امرأة ورجل وكبير وصغير في الإبداع الفني النوبي

النوبة القديمة كانت تتميز بطرازها الفني الشعبي الذي يمثل خلاصة كل مرحلة تطور لمنطقة من مناطق النوبة خلال الفترات التاريخية التي تتابعت خلالها الثقافات المختلفة.
الخميس 2018/05/17
موروث فني ضخم

القاهرة- يعرض كتاب “الإبداع الفني والأدبي في بلاد النوبة ” لمؤلفه عثمان الأمير عددا من أشكال الإبداع الفني والتراثي التي تشتهر به النوبة، ومن هذه الفنون الموسيقى النوبية، حيث تتميز عن غيرها من أنواع الموسيقى  المعروفة في البيئات العربية المحلية  الأخرى بأنها امتداد للموسيقى المصرية القديمة، وهي موسيقى خماسية النغمات وتعتمد على شكل بدائي من أشكال آلات العزف الوترية، ويشير المؤلف إلى أن بعض المصادر تذكر أن هذه الموسيقى الخماسية تعود إلى عهد كوش بن حام.

وتتكون الموسيقى الخماسية النوبية بشكل عام من النغم، والنغم هو الذي يحدد اللحن والإيقاع، و في نفس الوقت تعتمد ألحان موسيقى النوبة على نغمات السلم الخماسي، والذي تلتقي فيه الموسيقى النوبية مع الموسيقى الأفريقية وموسيقى الشرق الأوسط، وحيث يتكون السلم الخماسي من خمسة أصوات مختلفة، وفي السلم الموسيقي يكون الفراغان على الدرجتين الرابعة والسابعة، وهو ما يطلق عليه الاسم الخماسي الطبيعي، والذي يعد من أشهر السلالم وأوسعها انتشارا وتداولا، والذي يعتبر الدرجة الأولى والثالثة والخامسة فيه من المرتكزات الأساسية التي لا تخرج أبعاده عن الثانية الكبيرة والثالثة الصغيرة.

أما الإيقاعات النوبية فهي ليست مجرد نقرات يقوم بأدائها العازف، بل عادة ما تصاحب بأداء حركي يقوم به الرجال والنساء من أهل النوبة على حد السواء، ومن المعروف أن فرق الإيقاع النوبي تتكون من عازفي الطار، والذي تكون وظيفته الأساسية عزف النقرات الأساسية أيضا للإيقاع، ويكون الطار ذا قطر صغير يؤدي عليه العازف الزخارف في فراغات الإيقاع الأساسي، وهذا العمل يختص به رئيس الفرقة الذي يطلق عليه عازف ”النجر شاد”، ومن ثم يصبح للإيقاعات النوبية خطان إيقاعيان متداخلان، وهو ما يعرف باسم “البوليريتم”.

ويشير عثمان الأمير إلى أن الإيقاعات الأساسية في الموسيقي النوبية التقليدية تشمل كل من: الكومباش، والكيتشاد، والله ليه لي، والذي يسمى أحيانا بـ “الإيقاع الكنزي”، وأولن أرجيد، أي رقصة الكف، بالإضافة إلى إيقاعات أخرى مثل السكي، وهل وفيزي.

كتاب يستعرض أشكال الإبداع الفني والتراثي التي تشتهر به النوبة
كتاب يستعرض أشكال الإبداع الفني والتراثي التي تشتهر به النوبة

كما يشير الكتاب إلى أن الموسيقى النوبية عرفت عددا من الآلات الموسيقية أقدمها ما أطلق عليه اسم “الصفارة”، والتي يتم العزف فيها عن طريق النفخ، ثم الربابة ذات الوتر الواحد، ثم آلة الطمبور “كري أوكيسر”، وهي آلة وترية، ثم آلة العود التي أدخلت على الموسيقى في القرن العشرين، كما أدخلت آلات البند العربي مثل الأورغ والغيتار، وبالتالي أصبحت الموسيقى مهجنة، وهو ما يشير إليه المؤلف بأنه كان عامل من عوامل انتشار الأغنية والموسيقى النوبية.

أما الشكل الآخر من الفنون النوبية فهو الغناء النوبي، حيث كان النوبيون يتحدثون في الماضي باللغة المصرية القديمة، ثم اللغة المرية نسبة إلى دولة مروي، كما استعاروا بعض الحروف القبطية وأضافوا إليها حروفا من اللغة الديموطيقية، لذلك أصبحت اللغة النوبية لغة قراءة وكتابة، وأضافوا إليها ثلاثة حروف هي: تشاي، نقاي، نجاي، فأصبح عدد حروف اللغة النوبية 24 حرفا، وتعددت بذلك لهجات أهل النوبة من الكنوز والفاديجا والعرب والمحس والسكوت، ولذلك فإن النوبيين يتحدثون ويغنون بثلاث لهجات، هي: الكنزية والفاديجية والدنقلاوية، بالإضافة إلى العربية.

كما يشير الأمير إلى أن من سمات الغناء النوبي أنه يعتمد على مشاركة الكورس المكون من النساء والأطفال والرجال، فيتكون من خط أساسي ميلودي واحد، ولكن في نفس الوقت يتم تأديته من خلال مناطق صوتية متعددة، ومعظم الغناء النوبي تصاحبه الرقصات ونقرات الكف.

ويذكر المؤرخون المتخصصون أن النوبة القديمة كان لها طراز فني لكل فن من فنونها الشعبية، ويمثل هذا الفن خلاصة كل مرحلة تطور لمنطقة من مناطق النوبة خلال الفترات التاريخية التي تتابعت خلالها الثقافات المختلفة على سكان النوبة وأهلها، وحيث تميزت ثلاثة مجموعات سكانية من بين أهل النوبة هم الكنوز والفادجة والعرب، وهو ما جعل لكل مجموعة سكانية من هذه المجموعات الثلاث خصائص مميزة لمدرستها الفنية.

ويشير الأمير إلى أنه مع تهجير بلاد النوبة أربع هجرات متباعدة ما بين أعوام 1902، وهو العام الذي شهد إنشاء خزان أسوان، وبين عام 1964 وهو تاريخ إنشاء السد العالي، فإن تلك الهجرات قد شكلت تغييرا في الفنون والحرف النوبية، ولم تعد هذه الفنون والحرف الشعبية قادرة في ظل الظروف الجديدة على الاستمرار في الإنتاج بنفس الجودة والثراء.

وفي نفس الوقت يشير الكتاب إلى أن الموروث الضخم للفن النوبي يسجل للمرأة النوبية إنتاجها الإبداعي الهام والمتنوع، فقد هيأت العوامل الجغرافية والبيئية والمجتمعية التربة الصالحة للمرأة النوبية لتفجير طاقتها الإبداعية، فجاءت أشكال الإبداع النسوي في النوبة مرتبطة بخيوط التقاليد الحضارية الموروثة من البيئة التي تعيش فيها، وحيث تميزت المنتجات الفنية التي تنتجها المرأة النوبية على الدوام بأنها تعتمد على الثراء في الزخارف والألوان، خاص للملابس التي تعتمد على تنوع الخامات المستخدمة فيها وتنوع أساليب الأداء في إنتاجها.

كما تتميز العمارة النوبية بأنها تقوم على فكرة استخدام الوحدات الزخرفية البارزة والغائرة في الواجهات التي تعتمد بدورها على تكرار الوحدات الزخرفية بشكل هندسي منتظم. وجدير بالذكر أن كتاب “الإبداع الفني والأدبي في بلاد النوبة” ، لمؤلفه عثمان الأمير، صدر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

15