لا كتب ولا مسافرين في محطة الحجاز

عرض يروي تواريخ الاختفاء، القطار، المكاتب، صناعة الورق، محل الأسطوانات الشهير "الموصلي"، ليبقى من بينها جميعا بناء المحطة حاضرا كإرث متحفيّ يحوي الإصدارات الرسميّة.
الأربعاء 2019/07/31
وثائق بصرية عن تاريخ محطة الحجاز

باريس – بدأت مجموعة “فهرس للممارسات النشريّة” عملها مع مكتبة عبدالرحمن منيف وما تعرضت له من سرقة، وقد قامت “العرب” بتغطيتها سابقا، لتستمر المجموعة بعدها في اكتشاف أشكال الوثائق الأرشيفيّة وانتقالها بين الوسائط المختلفة سواء كانت رسميّة أو فنيّة، جاعلة من الأرشيف موضوعة جماليّة وتاريخيّة.

أخيرا شهد مركز بيروت للفن ضمن معرض “كيف تعاود الظهور: من بين أوراق النشر المستقل” محاضرة أدائيّة بعنوان “بانتظار المحطة”، والتي سبق لمجموعة فهرس للممارسات النشريّة تقديمها في العام الماضي بالشارقة، لنرى أنفسنا أمام رحلة نتعرف فيها على قطار لم يأت، ومحطة تحولت إلى مساحة لصناعة الذاكرة والثقافة، وتجربة ذاتية في دمشق يحركها الفضول من جهة والرغبة الأكاديميّة من جهة أخرى.

محطة بلا قطار

لا بد لأي زائر لدمشق أن يمر بجانب محطة الحجاز التي تأسست عام 1907، التي تحولت إلى مكتبة دائمة منذ سنوات، لتبدو صرحا أثريّا اعتاد المارة وجوده، وبعيدا عن القاطرة اللُعبيّة أمامها، أجيال كثيرة ترى فيها وعدا برحيل ما، وفضاء سينيكيا (Cynique) تحيط به المطابع وباعة الكتب المتنوعة، ومن هذه المتغيرات “أثر معماريّ، تجربة شخصيّة، وثيقة تاريخية”، يتحرك عرض بانتظار المحطة، بالتوازي مع مسرحيّة الأخوين رحباني وفيروز “المحطّة”، كمعادل فني ذي دلالات سياسيّة تكشف لنا عن تاريخ المحطة بوصفها معادلا للخذلان، يترك الناس ينتظرون في محطة لا قطار فيها، مستعدين دوما للرحيل.

عرض عن تاريخ المحطة بوصفها معادلا للخذلان تترك الناس ينتظرون مستعدين دوما للرحيل بينما لا قطار فيها

يقف مؤسسو “فهرس” أمامنا على الخشبة؛ سامي رستم يخبرنا عن مسرحيّة الرحابنة التي عرضت في بيروت ثم دمشق في السبعينات، والتي تحكي قصة حقل سيتحول إلى محطة، كما نسمع تعليقاته عليها ومقاطع منها، كذلك يخبرنا عن تجربته الشخصيّة مع المحطة التي عرفها أثناء إقامته في دمشق قبل أن يرحل إلى ألمانيا، في ذات الوقت يرسم كنان درويش خارطة باليد لما حول المحطة من شوارع ومحلات، مستندا على ذكريات زملائه، وما جمعوه من صور ووثائق أثناء مرورهم بجانبها أو اكتشافهم لها ضمن سياقات مختلفة، بينما يقرأ عمر نقولا رسائل توثق لزياراتهم الشخصية للمحطة والتحولات التي مرّت بها، حتى صارت مكتبة دائمة.

هذه التجربة ذاتها مع فضاء المحطة، نراها في زيارة الأخوين رحباني وفيروز لدمشق، ونزولهم في أحد الفنادق المحيطة بها، ولا ندري بدقة مدى علاقتهم معها، خصوصا أن فيروز هنا تمتلك حضورين، كشخص حقيقي رأى المحطة، وشخصية وردة المتخيلة في المسرحية التي تبشر بقطار لن يأتي، ما يغير من حسابات كل من في القرية، الذين اشتروا تذاكر متوهمين أن قطارا سيأتي ليأخذهم بعيدا.

نتلمس في العرض تواريخ الاختفاء، القطار، المكاتب، صناعة الورق، محل الأسطوانات الشهير “الموصلي”، ليبقى من بينها جميعا بناء المحطة حاضرا كإرث متحفيّ يحوي الإصدارات الرسميّة، لتبدو المحطة أشبه باختزال لنظام الأرشيف في سوريا، مرتجل، مهمل،غارق في الفساد، يتلاشى تدريجيا أو يصبح بضاعة كما حصل مع سامي الذي اشترى أعدادا من مجلة “الجنديّ السوريّ” التي تعود إلى الستينات، كل هذا المزيج من الوثائق يتركنا في رحلة تاريخيّة- فنيّة للبحث عن قطار التغيير الذي لم يصل إلى ضيعة ورد ولا إلى دمشق.

توثيق مسرحي

رحلة تاريخية
رحلة تاريخية

تتداخل في العرض ثلاثة أشكال من إنتاج الوثائق أوّلها محاولات النقد الأدبي، إذ يخبرنا رستم عن الأوهام التي حلت بالقرية التي تنتظر القطار لأن وردة قالت إن هناك سكة، وكيف صدق بائع التذاكر دوره الوهميّ وبدأ يمارسه بجديّة، أيضا هناك نصوص المغامرة أو الرحلة، والتي نتلمس معالمها في الرسائل التي يقرأها نقولا والتي تصف زيارات متعددة للمحطة، والثالثة هي وثائق الأرشيف؛ الأعداد القديمة من المجلات والصور الملتقطة للمحطة وما حولها، لنرصد عبر ما سبق التغيرات التي مرت بها المحطة، وتحولها من مساحة انتظار محتملة في سبيل الرحيل، إلى معرض دائم للإصدارات الرسميّة لوزارة الثقافة في سوريا، وكأننا في مواجهة بين “الرسميّ والشرعيّ” الظاهر بالقوة، وبين الهامشي المهدد بالاختفاء الذي لا بدّ من البحث عنه.

نكتشف أيضا في العرض فضاءات النشر في المنطقة المحيطة بالمحطة كالمكتبة العربية ومكتبة الهلال ومكتبة النوري، التي سأل نقولا أصحابها عن طبيعة علاقتهم بالمحطة القريبة منهم ليكون الجواب “لا شيء!”، لتبدو المحطة أشبه بدمية بائع التذاكر التي تحويها، مكانا منسيّا ذا تاريخين؛ أحدهما رسميّ كدميّة مشلولة بلا روح، وآخر خفيّ مليء بالإحباط، يتعرف من يبحث فيه على سياسات الاختفاء التي تشهدها مدينة دمشق وتحوّل معالمها يوما بعد يوم إلى صور تستخدم للترويج الدعائي، صور توظّف سوء الفهم الذي حصل في مسرحيّة الرحابنة، والذي حوّل كل سكان القرية إلى مدمنين على الوهم.

14