"لا" كلمة تحمي خصوصياتنا أم تفسد علاقاتنا مع الآخرين

على الرغم من بساطة الكلمة وسهولة نطقها، إلا أن كلمة “لا” تعد من أصعب الكلمات التي يمكن أن نتفوه بها أحيانا، خاصة إذا كانت هذه الـ”لا” موجهة إلى أناس أعزاء تربطنا بهم صلة قرابة أو صداقة أو حتى زمالة في الدرس أو العمل. إلا أننا قد نضطر أحيانا إلى تجنب استخدام الكلمة ذاتها مع الغرباء الذين تجمعنا بهم الصدفة في الشارع، في الأسواق أو ربما في عيادة طبيب، المهم، أن قول “لا” في جميع الأحوال قد يكون أمرا عسيرا وربما غير وارد ضمن منظومة المكونات العاطفية لشخصياتنا.
الأربعاء 2016/10/12
قول "لا" قد يكون أمرا عسيرا

عندما نقول “لا” لأطفالنا، يكون الأمر من وجهة نظرهم غير عادل ويكون ردهم المناسب في مثل هذه الأحوال “ولم لا أستطيع أن أحصل على هذه الأشياء، جميع أصدقائي لديهم أفضل منها؟”، أما إذا كانت كلمة “لا” موجهة من قبل الزوجة إلى الزوج أو العكس من ذلك، فإن إحساسا مريرا بالرفض قد ينتاب الطرف الآخر الذي يبدأ بطرح الأسئلة في السر أو العلن، ويتساءل عن سر هذا التبدل الغريب في سلوك الشريك.

كلمة “لا” التي نوجهها إلى صديق قد تودي بمستقبل هذه العلاقة إلى الأبد، كما أن “لا” الموجهة إلى غريب في الشارع يطلب مساعدة أو يطرح سؤالا ما، ستجعلنا ربما عرضة لانتقاد الآخرين واحتقارهم بسبب سوء تصرفنا، بصرف النظر عن دوافعنا وأسبابنا. ولهذا، فإن العواقب تبدو كثيرة وكبيرة تلك التي تكمن وراء قول كلمة “لا”.

وترى الدكتورة روبرتا ساتو؛ رئيسة قسم علم الاجتماع في كلية بروكلين الأميركية، أن علينا دائما أن نضع حدودا للآخرين لحماية خصوصياتنا وخياراتنا وعدم افساح المجال لاستغلالنا، والأهم من ذلك فإن الوقت الذي يفترض أن يكون ثمينا ومخصصا لأداء واجبات حياتنا اليومية التي لا تنتهي، لا ينبغي هدره في الاستجابة لطلبات الآخرين التي تكون في أغلبها تافهة أو حتى إذا كانت مهمة لديهم فهي لا تستحق عناء تضييع الوقت والجهد على حساب أولوياتنا في الحياة. ونصادف في حياتنا العديد من هؤلاء الذين يطلق عليهم بعض الناس لقب “الشخص الخدوم”، الشخص الذي يكون في العادة على استعداد لتقديم المساعدة للآخرين في أي وقت وتحت أي ظرف، بحيث يسعده أن يضع جانبا كل ما يشغله أو أي عمل قد يكون منهمكا في فعله، لمجرد تلبية طلب مساعدة قريب أو صديق أو حتى شخص غريب يستنجد به.

وتؤكد ساتو على أن الأمر يتكرر دائما في حلقة الأصدقاء الضيقة؛ حيث يفرض نمط معين من التصرفات على بقية الأفراد بصرف النظر عن توجهاتهم أو خياراتهم الشخصية، فيضطر بعضهم للمصادقة على كل الأدوار المطلوبة منه في سياق المجموعة خوفا من اتهامه بالغرور أو خوفا من اللوم ونظرات التهكم من قبل الآخرين في المجموعة، وقد يصل الأمر إلى مخارج خطيرة حين يتطلب منه الأمر تعاطي المخدرات أو المسكرات مثلا، أو كل ما من شأنه أن يخالف الصواب من وجهة نظره على الأقل.

الصديق الذي يتصرف بأنانية مفرطة ويفضل قضاء حاجاته بالاتكال على الآخرين وعلى حساب راحتهم، غير جدير بالاحترام

في هذه الأحوال، وبحسب متخصصين في علم النفس الاجتماعي، فإن الفرد أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن ينساق وراء المجموعة حتى إن كان على الضد من رغباته وإما اتخاذ قرار شجاع واستخدام كلمة “لا” رادعة وصريحة، هذه الكلمة التي تستدعي ردود أفعال غاضبة من الطرف الآخر قد تودي إلى نهاية العلاقة، ومرة أخرى فإن لكل شيء ثمنا ومع ذلك، يبدو أن هذا الثمن مناسب جدا مقارنة بالآثار السلبية لمثل هذا النوع من العلاقات.

ومن جانبها، تؤكد الدكتورة شوبا سرينيفاسان؛ أستاذ علم النفس السريري في كلية الطب – جامعة كاليفورنيا الأميركية، على أننا جميعا نتلقى طلبات للمساعدة أو الدعم في توجه ما من قبل الآخرين أيا كان نوع هذه الطلبات لكن طريقة استجابتنا لها بنعم أو لا، تعكس شيئا من بصمتنا الشخصية خاصة إذا كنا من نوع الناس الذين يقولون “نعم” في أغلب الأحيان وفي داخلنا الرغبة في قول “لا”.

عموما، فإننا بحكم تكويننا كائنات اجتماعية، نحاول أحيانا الحصول على قبول ورضا الآخرين ليتسنى لنا التواصل مع الآخرين، وفي الحقيقة، فإن بقاءنا على قيد الحياة يعتمد في الأصل على قدرتنا على التواصل والبقاء في مجموعات اجتماعية، إضافة إلى التعاون في وحدات صغيرة أو كبيرة أحيانا، وعلى الرغم من أننا لم نعد بحاجة إلى قوة المجموعة للبقاء على قيد الحياة مثلا كما هو الحال في أصل الإنسان والماضي الموغل في القدم، إلا أن حاجتنا للتواصل مع الآخرين تبقى نفسية واجتماعية في المقام الأول إذ أن معظم الناس يرغبون بالرفقة الاجتماعية ويحرصون على التواصل مع الآخرين؛ حيث تقدم لنا الرفقة والدعم مع مشاعر المحبة وتعزيز مشاعر الثقة بالنفس واحترام الذات وأهم من ذلك الشعور بالانتماء، وما يوفره من أمان مهم في تشكيل شخصياتنا ورسم سلوكنا وطبيعة تعاملنا مع الحياة بمكوناتها.

ومع ذلك، فإن الحاجة إلى التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون لها آثارها النفسية الضارة، فقد نستجيب لنداء صديق أو قريب لتقديم مساعدة معينة لكن مع استمرار هذا الفعل سيقتطع هذا الأمر من أوقاتنا الخاصة، الأمر الذي يحتم علينا إلغاء بعض المواعيد المهمة أو مراكمة الأعمال والمسؤوليات إلى وقت متأخر من اليوم لتعويض الوقت الضائع، وهذا يسبب شعوراً بالقلق والإرهاق المستمر وكل ذلك مرده عدم ردنا بالرفض، خوفا من أن نفقد هذا الصديق أو أن نتسبب بإزعاجه وننسى كثيرا بأننا قد نزعج أنفسنا أكثر وقد يتسبب موقفنا السلبي هذا في خسارة الصديق، إذ أن الصديق الذي يتصرف بأنانية مفرطة ويفضل قضاء حاجاته بالاتكال على الآخرين وعلى حساب أوقاتهم وراحتهم، غير جدير بالاحترام وبهذا فإن علاقة من هذا النوع لن يكتب لها الاستمرار في جميع الأحوال.

21