"لا للبكاء" رواية سيرة ذاتية عن الحرب الإسبانية

الأحد 2014/11/16
ليدي سالفير لم يتوقع أحد فوز روايتها بغونكور

لم يكن أحد يتوقع فوز ليدي سالفير بجائزة غونكور هذا العام، فرغم وصولها إلى القائمة الصغرى، كان منتظرا أن ينحصر التنافس النهائي بين الفرنسي دفيد فونكينوس عن رواية "شارلوت" والجزائري كمال داود، الذي فاجأ الجميع برواية جادة عنوانها "مورسو - تحقيق مضاد"، ولكن اللجنة خالفت كل التوقعات فتوجت سالفير عن روايتها "لا للبكاء" بخمسة أصوات مقابل أربعة لداود. وهي المرأة الحادية عشرة التي تتوج بكبرى الجوائز الفرنسية.

الرواية سيرة ذاتية في وجه من الوجوه، فالذات الساردة هي الكاتبة نفسها، ليدي سالفير ( واسمها الحقيقي ليدي أرخونا )، والبطلة هي أمها مونسيرا مونكلوس أرخونا، أو مونتسي كما صار أقرباؤها ينادونها. والنسيج الروائي هو ما ترويه الأم لابنتها عن صائفة الجمر التي ما عادت تذكر سواها، وهما جالستان حول قدح من شراب الأنيسون وما تستدعيه البنت من مواقف جريئة للكاتب الفرنسي جورج برنانوس (1888- 1948) الذي أدان مجازر قوات الجنرال فرانكو وتواطؤ رجال الدين في كتاب ناريّ عنوانه "المقابر الكبرى على ضوء القمر"، رغم كونه كاثوليكيا محافظا ويمينيا متطرفا ومناصرا للنظام الملكي. ولكن الجرائم التي كان شاهدا عليها أثناء إقامته بمايوركا هزت كيانه ودفعته إلى فضح ما يجري في إسبانيا والتنديد بحلفائه القدامى. وتفسر الكاتبة وقفته الشجاعة تلك بأنه " كان أقرب إلى روح الأرستقراطية العاملة منه إلى بورجوازية الريع والمال. وإيمانه الأخوي، على غرار إيمان بازوليني، سرعان ما جعله يقف إلى جانب الفقراء المستضعفين والضحايا الأبرياء، تماشيا مع تعاليم الإنجيل. أما القساوسة الأسبان فلم يستحوا من وقوفهم في صف الأثرياء، ضد فقراء السوء كما كانوا ينعتونهم."


مهانات المخيمات

تلك الصائفة من عام 1936 كانت بالنسبة إلى مونتسي صائفة السعادة الغامرة. كانت في ربيع العمر (16 سنة )، أصيلة قرية نائية بناحية أراغون، حيث الفقر والجهل والتزمت والسطوة الذكورية والعنف طاغية بشكل جعل حياتها أشبه بالعدم. لم تكن تنتظر شيئا أو تحلم بشيء. وفي لحظة، اهتز الوضع وعلت راية الأنارشيست الحمراء والسوداء مرفرفة في الأجواء، ورافقت انتشار المناضلين الفوضويين ريحٌ عاتية تكنس في طريقها كل شيء. كان أخوها جوزيف من أوائل المنخرطين في هذا التيار. وكانت الفرحة، كالفوضى، عارمة، وكان القرويون ومن معهم يغنمون الفرصة لإزاحة كل من يعترض طريقهم من رجال السلطة أو رجال الدين. في تلك الأجواء الحماسية اللاهبة، غادرت مونتسي قريتها صحبة أخيها جوزيف لتحل ببرشلونة.

«لا للبكاء» ليست رواية عن الحرب الإسبانية فقط، بل هي أيضاً دعوة إلى الحذر من العودة إلى جحيم الماضي

هناك تكتشف المدينة بمقاهيها وفنادقها وساحاتها وشوارعها، وخاصة شارع الرملة الشهير، وهناك تطلق لسجيتها العنان دون خوف من حسيب أو رقيب. ولكن العودة إلى القرية كانت مجللة بصعوبات جمة، خصوصا أن مونتسي أصبحت حاملا، وأن الأب، وهو مقاتل فرنسي شابّ مجهول، التحق بالجبهة دون أن تعرف عنه سوى أنها بادلته حبا بحبّ، وأنها ستحفظ ذكراه إلى الأبد. وبينما كانت رقعة الحرب تتسع، وصفوف الجمهوريين تتشتت يوم بعد يوم، تزوجت مونتسي دييغو، ثم اضطر الزوجان إلى الهجرة إلى فرنسا. فاستقرا في مقاطعة لنغدوك جنوبا، بعد أن عانيا مهانات المخيمات المعدة للاجئين الأسبان، والوحدة والجوع وعوائق التخاطب مع أهل البلاد بلغة لا يتقنانها. هناك سوف تنجب مونتسي بعد أعوام ابنتها ليديا، التي لم تتعلم الفرنسية إلا يوم دخولها المدرسة، ولكن الطفلة أبدت من النباهة ما جعلها تتفوق في دراستها، وتلتحق بالجامعة لتحرز إجازة في الآداب الفرنسية، ثم غيرت وجهتها إلى دراسة الطب لتصبح متخصصة في التحليل النفسي، قبل أن تدركها حرفة الأدب عام 1990، فتتفرغ لكتابة الروايات، ولها منها اليوم نحو عشرين رواية ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة.


لا للبكاء

تنطلق الرواية بعد خمس وسبعين سنة من صيف 1936، حينما بلغت مونتسي خريف العمر، وكانت قد نسيت كل شيء، ما عدا إشراقة تلك الأيام القليلة التي عاشتها بامتلاء في برشلونة، وعرفت فيها الحبّ. ولكن قوة الرواية تكمن في بقية الشخصيات التي انتقتهم الكاتبة من الواقع دون شك، وأضفت عليهم من السمات ما يخدم عملها الفني.

مثل دونيا بورا، تلك الخالة المتمسكة بالدين تمسكها بالحياة، ودون جوومي ثري من أثرياء القرية يشذ في سيرته عن باقي الاستغلاليين. وابنه دييغو الذي يتحول إلى مناضل شيوعي، قويّ الإيمان بقضيته في البداية، قبل أن ينتابه الشك وينهار.

شخصيات حقيقية جسّدت الواقع المعيش

والعنوان ( الذي سارع البعض بترجمته خطأ بـ "لا تبكِ" التي يقابلها في الفرنسية Ne pleure pas، والحال أنه ورد بهذه الصيغة Pas pleurer وهي لغة ركيكة، تأتي عادة على لسان من لا يتقن الفرنسية، ولم نجد ما يقابلها في لغتنا سوى "لا للبكاء" ) هو أشبه بتوبيخ أو تأنيب. كل ما حملته ثلاثينات القرن الماضي من مجازر ومآسٍ في أسبانيا، ثم في أوروبا، كان يحمل المرء على النشيج والبكاء، مثلما حملت جوزيف ودييغو المتصارعين منذ الصغر على نبذ الخلافات والتقارب لمواجهة جرائم ترتكب باسميهما، إما من القوميين أو من الستالينيين، ولم يكن ثمة من وسيلة لتجنب تلك الحالة سوى الفرار إلى ديار آمنة، بدل التذمر والتباكي.

تفسر الكاتبة اختيارها هذا العنوان بقولها : "حضرني وأنا أنشئ كتابي "سبع نساء".

كانت ماريا تزيفتايفا تشكو حالها لبوريس باسترناك، فتقول إنها تحس بالجوع، والبرد. وفجأة توقفت برهة ثم قالت : "لا للبكاء." وجدت في ذلك موقفا وجوديا وأدبيا وفلسفيا رائعا، فأقبلت على تأليف روايتي تلك، انطلاقا من عنوانها."


سلطة الكلمات


ما يميز هذه الرواية مزاوجتها بين صوتين : صوت مونتسي وهي "تحرك رماد شباب ولّى بغير رجعة" لتروي ما استقر في الذاكرة من تلك الأيام الصاخبة، التي اختلط فيها الحب بالتراجيديا، في لغة سمتها الكاتبة "فرانيول"، لغة هجينة هي مزيج من الفرنسية والأسبانية. وصوت برنانوس الغاضب المستاء المندد، في لغة متينة وأفكار عميقة وأسلوب هو الأسلوب الذي طبع كتاباته. تتنقل الكاتبة بينهما لتنقل طريقتين في التعبير عن الفظائع المرتكبة في أسبانيا، وما نتج عنها من فواجع، لا تخلو من لحظات سعادة عابرة. صيف مشرق بالنسبة إلى مونتسي، وسنة جهمة في عيني برنانوس. صورتان عن حكاية واحدة، تربط الكاتبة فيهما بين الكوني والذاتي، العنف والرقة، العمق والطرافة.

هذه الثنائية ليست غريبة عن ليدي سالفير، فرواياتها منذ "الإعلان" (1990) تقوم على شيئين متناظرين، متضادّين في الظاهر، ولكنهما يكملان بعضهما بعضها، حيث الجمل المتينة السبك ترتاب من جمال الأسلوب فتنهال عليه تفتته بوقاحة وبكلام جريء، وحيث الإيمان بسلطة الكلمات يترافق مع الحذر من تجاوزات كلام السلطة. فهي وإن كانت مهذبة في الحياة العامة، لا تتوانى عن تناول المشكلات المجتمعية بنبرة شديدة غاضبة سواء في معالجة حياة الأزواج كما في "الحياة المشتركة" (1991) أو في حياة المكاتب كما في "الميدالية" (1993)، أو في تحليل لامبالاة الأخيار الذين ينظرون إلى حياة البؤس كالسياح كما يتبدى في "النفوس الطيبة" (2000) أو في السخرية من الانتهازيين كما هو الشأن في "صورة الكاتب في هيئة حيوان أليف" (2007) أو الحفر في مخلفات التاريخ الفرنسي المعاصر كما في أكثر رواياتها نضجا "شركة الأشباح" (1997).

"لا للبكاء" ليست رواية عن الحرب الإسبانية فقط ولا هي عن ذكريات الأمّ مونتسي بحلوها ومرّها، بل هي أيضا دعوة إلى الحذر من العودة إلى جحيم الماضي. تقول ليدي سالفير: "إذا كانت حكاية أمي عن تلك التجربة المتمردة التائقة إلى الحرية تملأ قلبي بنوع من المسرة شبيه بفرح طفولي، فإن حكاية الفظائع التي يرويها برنانوس وهو يواجه ليل البشر المظلم، وحقدهم وهياجهم ووحشيتهم تثير في نفسي خوفا من رؤية بعض الأوغاد يستعيدون اليوم تلك الأفكار العفنة التي أعرف من زمن أنها نائمة."

13