لا للتحالف الأميركي- الغربي نعم للتحالف العربي- العربي

الأربعاء 2014/09/17

يبدو أن توالي الكوارث والمَلَمّات والفتن بالمنطقة العربية ضرب العقل العربي المسؤول، وأفقده القدرة على تدارس الأمور وترتيبها والخروج منها برؤية سليمة وقياس مضبوط. الأمر الذي يحقق حفاظا على المصالح والمصائر والمقدرات، ويسد أبواب الاستنزاف والاستغلال والفتن الطائفية والمذهبية، ويحول دون استمرار مخطط التقسيم الأميركي الغربي الإسرائيلي.

ذلك أنه ما كان ينبغي أن تدخل المنطقة، أو حتى بعض دولها، في ذلك التحالف الذي تسوق له أميركا للحرب ضد داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، وأن تقوم هي بذاتها بتشكيل تحالف يستهدف القضاء على هذه التنظيمات والجماعات، وفي ذات الوقت يحمي ويحفظ وحدة دول كالعراق وسوريا وليبيا واليمن، ويشتغل وفقا لمصالحة دول المنطقة من الخليج إلى المحيط، وليست السعودية أو الإمارات أو مصر بالدول الصغيرة التي لا تستطيع أو لا تملك تأسيس تحالف عربي- عربي، دون السماح لأطراف أخرى لها أجنداتها الخاصة التي تحمل في طياتها مصالح وخطط تسعى لتخريب المنطقة وجعل دولها خرابات تنعق فيها البوم.

إن أميركا والغرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى فتحت الطريق لتنظيم “داعش” وأمثاله من التنظيمات ووفرت له كل سبل التقدم، وكفلت له الحماية لفرض سيطرتها على مناطق واسعة من العراق وسوريا، لكن ما إن اقترب “داعش” من مناطق مصالحها حتى انقلبت عليه، فلا أحد يقول إن أميركا أو بريطانيا أو فرنسا تحركت الآن من أجل المسيحيين أو الإيزيديين أو ذبح الرهينتين الأميركيين، أو الرهينة البريطاني. أبدا لم تتحرك من أجل هذا، ولو قتل كل مسيحيي العراق والايزيديين وذبحت عشرات الرهائن، لما تحركت أميركا والغرب، لقد بدأت بالتحرك بعد وقوف قوات التنظيم على أبواب إقليم كردستان مستعدا لاجتياحه وفرض سيطرته على حقول نفطه، فبدأ الأمر بضربات جوية أميركية، تلاها تسليح بريطاني فرنسي لقوات البيشمركة الكردية، ثم إطلاق الدعوة الأميركية لتحالف دولي ضد تنظيم داعش وإعلان استراتيجية حربه، والنتيجة ترك المنطقة في حالة حرب طائفية ومذهبية تقود إلى التفتيت والانهيار.

إن أمر التحالف الدولي الذي تسعى أميركا للحشد له، لن يعمل لمصالح أي من دول المنطقة العربية، ولن يستهدف فقط الحفاظ على مناطق حقول النفط التي تعمل بها شركات البترول الأميركية والغربية والتي تضمن وصول البترول العراقي لإسرائيل، بل يستهدف بدرجة كبيرة الحفاظ على أمن إسرائيل وحلمها في تحقيق إسرائيل الكبرى “من الفرات إلى النيل”، هذا الحلم الذي لن يتحقق إلا بنفاذ خطط الانهاك والتآكل والتفتيت الجاري تنفيذها بالفعل على الأرض الآن.

فحينما يكون المخطط تقسيم العراق إلى دولة شيعية، ودولة سنية، ودولة كردية، وكذلك الأمر في سوريا ولبنان وليبيا واليمن وغيرها، فنحن في توافق تام مع نظرية الأمن الإسرائيلية التي لم تفاجأ بدولة الخلافة التي أعلنها أبو بكر البغدادي، بل ربما سعت إلى دعم قيامها من أجل تعزيز وتثبيت فكرة إقامة دولة كردية شمال العراق حليفة غنية بالبترول، وبالنهاية كما قال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو “تمثل حائط صدّ أمام موجة المد الإسلامي المتطرف”.

إن المرء ليتساءل لماذا لم تستطع دول المنطقة التوافق على تأسيس تحالف عربي-عربي عسكري لمكافحة الإرهاب، وتجفيف مصادر تمويله بالمال أو الأفراد، وإحكام السيطرة على تحركاته، تدعمه حركة فكرية تنويرية واسعة من قبل مؤسسات دينية وثقافية كبرى؟ لماذا تسمح للمخططات الأميركية الغربية بالمضي قدما نحو التنفيذ، الأمر الذي يستنزف مواردها ويحطم وحدتها ويؤلب عليها شعوبها؟

إن الدول العربية تملك الاستقلالية السياسية والعقول النافذة والمال والسلاح والأجهزة الاستخباراتية والقدرة على الحركة التي تمكنها من السيطرة على مجريات الأحداث سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو ليبيا أو السودان أو غيرها، وباستطاعتها، في حال تحالفها واتحادها، وقف زحف الإرهاب كائنا من كان، كل ما في الأمر هو وجود رغبة حقيقية لدى الأطراف القادرة على حفظ مصير المنطقة.

أما أن تترك الأمر بيد الأميركان والغربيين والإسرائيليين يحركون دفة الأمور وفقا لمصالحهم، فإن المصير سيكون الاستنزاف والتآكل والانهيار وصعود قوى غير مرغوب فيها كإسرائيل وإيران، إذ لن تكون هناك دول عربية، بل إمارات إسلامية تسيطر عليها مليشيات مسلحة يأكل بعضها البعض.

وليتساءل القادة الحكام عن نتائج التحالف الدولي الذي أقامه جورج بوش الابن على الإرهاب، ونتائج تدخل حلف الناتو في ليبيا، هذه النتائج الماثلة أمامنا الآن في أفغانستان والعراق وليبيا.

"المؤمن الفطن لا يلدغ من الجحر مرتين"، لذا آمل ألا يقبل العرب بتكرار السيناريو ثانية، لأن الأهداف هذه المرة مختلفة، ومن ثمة لن تكون النتائج ضياع أفغانستان والعراق، بل وبال وضياع للمنطقة كلها، فالداخل العربي مشتعل ولا يحتمل المزيد من النيران، خاصة أن الخطة الإستراتيجية للرئيس الأميركي تستغرق ثلاث سنوات تبدأ بالضربات الجوية، وتنتهي بالتواجد على الأرض، وستكون الكثير من الدول العربية في مرمى النيران.

لذا اقترح إقامة تحالف عربي-عربي مستقل، تقوم أهدافه على أسس متعددة. أولها؛ إعادة وحدة الدول التي يجري تفتيتها الآن وتحديدا العراق وسوريا، والحيلولة دون دخول دول أخرى مرحلة التفتيت والتآكل.

وثانيها؛ حماية الأمن الداخلي والخارجي من خلال منظومة دفاع مشترك.

وثالثها؛ وقف التدخلات الأميركية والغربية في تحديد مصير المنطقة من خلال توافقات تؤمّن المصالح بين دول المنطقة وأميركا والغرب بما يكفل حفظ وحماية الثروات العربية ويحول دون جعلها “نهيبة” يتصارع عليها الأقوياء.

ورابعها؛ العمل جديا على تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال زيادة معدلات الاستثمار والتجارة البينية مع دول المنطقة الفقيرة، والضغط على أنظمتها في سبيل القضاء على الفساد، حيث يمثل فقدان العدالة الاجتماعية مصدرا قويا لصناعة التنظيمات الإرهابية.


كاتب مصري

9