لا ليست مملكة الصمت

الجمعة 2015/01/30

سينجلي الغبارُ الكثيف الذي نفخته الأقلام المحلية والمستوردة في شأن غياب الملك عبدالله وتولّي الملك سلمان بن عبدالعزيز عرشَ الحكم في المملكة العربية السعودية. والغبار، وما أكثره، لطالما حملته رياحُ كل مفصل في تعاقب الملوك على حكم البلاد منذ المؤسس الأول الملك عبدالعزيز. وفي كل مرة يسيلُ مداد كثيف يفسّر ويحلل ويفتي ويستشرف معنى غياب السلف ومعاني إطلالة الخلف. وفي الساعات التي تفصل بين “مات الملك وعاش الملك” يحفلُ المحفل بدخان سرعان ما ينقشع ما أن يشيح العالم بوجهه عن اللحظة السعودية باتجاه لحظات ترتجل العالم كل يوم، وما أكثرها هذه الأيام.

هوية الحاكم في المملكة العربية السعودية ليست تفصيلا محلياً، ولا استحقاقا بيتيا يخص السعوديين وحدهم. فإذا ما انهمك العالم بالحدث السعودي، فذلك مرده الوزن التاريخي التقليدي للبلاد في منطقة الشرق الأوسط من جهة (منذ قمة روزفلت – عبدالعزيز)، كما الدور العالمي المتنامي الذي تطور صعوداً عقدا بعد عقد، كما الدور الإقليمي الذي بدا أساسيا في ما رسم الملك الراحل، وفي ما أملاه غياب الحاضرات العربية الكبرى في العقدين الماضيين. وإذا ما انشغل المراقبون في مقاربة الحدث السعودي، ففي ذلك سعي منطقي لفهم مصير ومسار الملفات المتراكمة المرتبطة مباشرة بحال المملكة ومزاج الحكم فيها.

بيد أن اللافت في التغطية الإعلامية الدولية انكشاف أقلام كبرى في لعبة التعجّل والسطحية بمعالجة أمر جلل يمثّله تثبيت حكم المملكة. وإذا ما كان إعلام العرب مرتبطا بأجندات زئبقية يقرأ الحدث ويعيد إنتاجه وفق صراعات معروفة، أضحت كلاسيكية مملة في الزمن الراهن، فإن إعلام الخارج عكس قلّة دراية بشؤون الرياض وشجونها، كما أظهر صبيانية في اكتشاف ما هو جليّ ظاهر معلن لا يحتمل تأويلا. ويكفي بالأخص ما أتحفنا به البريطاني دايفيد هيرست في الـ“هافنغتون بوست” والأميركي سايمون هندرسون في الـ“واشنطن بوست” من بين آخرين (الذين أعاد إعلام العرب ترجمة فتاويهم) في “الكشف” عمّا هو معروف للسعوديين وكل المراقبين للشأن السعودي، للتدليل على تفانينا في استهلاك البضاعة العربية أصلاً بعد مرورها في مسالك الإعلام الغربي دون أي زيادات تذكر.

للمملكة اليوم ملك ووليّ عهد على ما رُسم في عهد الملك الراحل، وإذا ما استجدَّ تعيين الأمير محمد بن نايف وليّا لوليّ العهد، فذلك معلن بمرسوم ملكي ومنشور رسميا دون منة اكتشاف من قبل من نصّبوا أنفسهم علماء في شؤون السعودية وعائلتها المالكة. ثم أن بقية المراسيم التي أعلنت، والتي قد يعلن غيرها لاحقاً، تأتي، على أهميتها، وعلى ما ثبتته وما خلعته، منطقية آلية تواكب تبدّل شخوص الحكم وأساليبه، وهو أمر سبق حصوله، بأوجه مختلفة، في المملكة مع تبدل رأس السلطة، كما يجري في أي بقعة في العالم لنفس الأسباب.

والموقفُ من تفاصيل الساعات التي تلت وفاة الملك عبدالله وتولي الملك سلمان عرش المملكة، مرتبط بالموقف من الرياض نفسها ومن سياساتها في موسم البراكين الإقليمية والدولية. يكفي رصدُ التحليلات وتقصيّ أجندة المحللين لترتسمَ خارطة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، تفسّر عِقَد من رأي في التطور السعودي مدعاة تفاؤل أو مناسبة رمادية يجوز فيها التنجيم. وإذا ما صدف أن خرجت علينا أسماء وازنة متخصصة في شؤون منطقتنا في الصحافة الغربية بما يكشف سرّ الماء، فلأن ذلك مناسبة نادرة لكي يقول العارفون إنهم عارفون (لاحظ أن كل ما قيل، قيل بعد الحدث ولم يتوقعه أحد قبل ذلك).

لا لزوم لدهاء في علم الجغرافيا السياسية ليدركَ العامة مدى جسارة ما يحيطُ بالسعودية، وما يشكّلُ مساسا مباشرا بأمن المملكة الاستراتيجي. فالرياض بدت في عهد الملك الراحل معنيّة مباشرة بعواصف “الربيع العربي” بطبعاته المختلفة. كان للمملكة موقف واضح في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، وقادت لدى دول مجلس التعاون مسعى وضع الجماعة على لائحة الإرهاب ومكافحتها أينما وجدت، بما يفسّر الدعم العلني المباشر لخارطة الطريق التي أطاحت بالجماعة في مصر. وكان للمملكة موقف واضح في دعم المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد في دمشق، ما يجعلها مستهدفة مباشرة من قبل التيار الإقليمي الدولي الداعم للنظام السوري والمدافع عنه. وكان للمملكة موقفٌ واضح من السياسة الإيرانية في المنطقة، وصل إلى مستوى يشبه القطيعة والحرب الباردة في ميادين لبنان وسوريا والعراق والبحرين واليمن. وكان للمملكة موقفٌ واضح بشأن سياستها النفطية على نحو ذهبت معه موسكو وطهران إلى تحميلها مسؤولية تدهور الأسعار، واتهامها بممارسة حرب نفطية كامنة تهدد مصالح الدولتين اللتين لا تتقاسمان كثيراً من الرؤى في شجون المنطقة.

لا السعودية ليست مملكة الصمت على ما يروق للبلادة أن تعبّدَ القوالب الصنمية العتيقة. وعلى الرغم من الهدوء الذي طالما اتّسمت به السياسة الخارجية للمملكة، فإن الرياض، في ما أسلفنا مما هو متّصل بكافة القضايا الساخنة، تكاد تكون الأكثر ضجيجاً في إعلانها الموقف تلو الموقف، بما يواكب ذلك من مقاربات وميزانيات وتكتيكات وأنشطة دينامية في إنتاج استراتيجياتها التي حوّلتها رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، وحجر زاوية حتمي لأي سيناريوهات تحضّر للمنطقة. ويكفي تأمل الإمبراطورية الإعلامية التي تسيطر عليها الرياض، سواء مباشرة أو بشكل غير مباشر، لاستنتاج غياب الصمت وحضور القول، على عكس ما تمارسه دول كثيرة في المنطقة.

وسواء كنت صديقا أو كنت خصما للرياض، وسواء رضيت بنظام الحكم أو ناكفته، فإن الأمانة تقضي بالاعتراف بأن مفاتيح المنطقة ما زالت بيد الرياض. لن يمر اتفاق غربي إيراني منتظر دون مباركة الرياض، يكفي التذكير بزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ولقائه الملك الراحل بغية طمأنة المملكة وتهدئة غضبها (حريّ تأمل هوية الوفد المرافق للرئيس الأميركي في زيارته للسعودية قبل أيام). لن يتم الاعتراف بأي تبدّل في مزاج الحكم في بغداد دون مباركة الرياض، يكفي التذكير بالإذعان لمطلب الرياض بإزاحة نوري المالكي قبل أي تطبيع مع بغداد. لن يتم تمرير أي تسوية في الشأن السوري دون مباركة الرياض، يكفي التذكير بأن المبادرة المصرية (الروسية) في هذا الشأن لا تحيد عن ثوابت الرياض. ولم يتم سقوط لبنان في العصر الإيراني بسبب موقف الرياض (حكاية وتشكيلة حكومة تمام سلام نموذجاً)، كما لن يستتب أمر الحوثيين في اليمن طالما أن الأمر مناكفة للرياض (مشروع المجلس الرئاسي مخرجا).

أهل المُلك في السعودية يعرفون ذلك، والسعوديون أنفسهم يدركون ذلك، وفي ذلك الوعي نضج نستطيع من خلاله قياس الحكم على أصول الحكم وانتقال السلطة من عهد إلى عهد. الأنواء كبيرة لا تحتمل صبيانية ولا تعجّل في فهم مزاج الحكم الجديد بقيادة الملك سلمان، لاسيما أن الفريق الحاكم، الذي لمن فاته من المختصين المترجّلين ذلك، هو قلب الفريق الحاكم الذي كان يحكم البلاد في عهد الملك الراحل، ويتولى ملفات البلاد الأساسية في الأمن والدبلوماسية والدفاع.

لا تنقلب المملكة على نفسها، بل الحكم فيها امتداد (وحجيج زعماء العالم للرياض دليل ذلك). وما هو ثابت يرسمه تراكم، وما هو متحوّل تفرضه الضرورة. وإذا ما راحت المخيّلة تستشرف نقضاً لعهود في الخليج (على ما قيل عن مصير الاتفاق مع قطر)، أو تراجعاً عن التزامات في مصر، أو تراخياً في الموقف من سوريا، أو تبدّلا في المقاربات من إيران، فإن للمخيّلة ما تريده من شطط وفنتازيا لإشباع تمنيات من يتمنون، ولعلم الدولة أصول تقودها المصالح التي لا تحتمل التخيّل والأحلام.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8