لا مجال للمساومة مع الفقر والهشاشة

الثلاثاء 2017/11/21

أن تموت 15 امرأة في المغرب سنة 2017 لأجل كيس دقيق وكيلوغرام من السكر وقنينة زيت فهذا الأمر يحتاج إلى أكثر من القلق والتذمر من وضعية هشة تعيشها فئات كثيرة من هذا المجتمع. نسوة خرجن إلى جانب أخريات تلبية لنداء توزيع مساعدات من طرف جمعية خيرية بجماعة سيدي بوالعلام، التابعة لإقليم الصويرة على الساحل الأطلسي فعدن محملات داخل صناديق الموتى بعد تدافع مميت.

ما حدث في مدينة الصويرة من الممكن أن يتكرر في أي منطقة أخرى تعيش نفس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الهشة، وهذا يجعلنا نتساءل عن الجدوى من مجموعة البرامج الموجهة للفئات المعوزة وقيمتها المالية، كبرنامج تيسير وبرنامج التكافل الاجتماعي وبرنامج دعم المطلقات وبرنامج دعم الأرامل وبرنامج النساء المهملات والسياسات العمومية لفائدة النوع الاجتماعي.

أموات وإصابات خطيرة في صفوف نساء مغربيات الأحد 19 نوفمبر الجاري، تعكس مدى الاستهتار بالعنصر البشري واحتياجاته الأساسية، فبدلا من تأمين حاجيات أطفالهن تضاف إلى تلك العائلات مشكلة اليتم والتشرد لمن تعولهن النسوة اللائي ذهبن ضحية التدافع.

وفي مجال تحميل المسؤوليات نتساءل: هل تم التصريح القانوني لتلك الجمعية المعنية بتقديم المساعدات للمحتاجين (الترخيص القانوني)؟

السلطات المحلية تقول إنها لم تقم بذلك ورغم هذا غامر المسؤول عن الجمعية الذي يعمل مقرئا في أحد مساجد الدار البيضاء بتوزيع المساعدات. لا تهم صفة مسؤول الجمعية ولا نواياه، بقدر ما يهم ما تسبب فيه ذلك الشخص من موت نساء كن ينشدن الحياة. وفي المقابل أين كان المسؤولون والسلطات المحلية؟ كان من الأجدر أن يتفطنوا ويمنعوا تلك المناسبة ما دام أصحابها قد اخترقوا القانون.

واجبات الحكومة في هندسة السياسات العمومية لا تلغي مسؤولياتها في التنظيم القانوني واللوجيستي والرقابي للعمل الخيري، فهذا المجال يغري ضعاف النفوس والجشعين ليكون قاطرة للمتاجرة بهموم الناس وفقرهم واحتياجاتهم لأغراض أخرى لا علاقة لها بالحس الإنساني.

لا بدّ للدولة أن تضبط مجال الأعمال الخيرية للجمعيات والمؤسسات غير الحكومية بقوانين صارمة من خلال مراقبة التحويلات المالية لتلك الجمعيات، ما يجعل هذا الميدان يحقق أكبر قدر من الإنجازات والمشاريع لصالح الفئات المعوزة وتخفيف العبء عن الدولة في هذا الباب.

فاجعة الصويرة لأجل جزء يسير من ضروريات العيش يؤكد أن النموذج الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب لم ينجح بشكل كلي في ردم الفوارق الاجتماعية وتهميش للمناطق والفئات مجتمعية وما ينتج عنها من فقر وبطالة، فعلا هذا النموذج شابته نقائص تنظيمية وإدارية ومالية ويحتاج إلى إعادة النظر في أدواره والساهرين على تطبيقه دون إنكار إيجابياته.

بالقانون والتربية والصرامة مع المفسدين يمكن تحقيق أهداف التنمية، والدولة مسؤولة عن تقديم إجابات واضحة عن تلك المشاريع التي ثبت التلاعب في ميزانيتها بأياد غير أمينة. ويجب على الحكومة تحمل مسؤوليتها في تدبير كل ما له علاقة بالشأن المجتمعي لا أن تتخلى عن وظيفتها وترمي إخفاقاتها على الجمعيات الخيرية وغيرها.

على خلفية الحادث المشؤوم هناك من ذهب إلى حد المطالبة بإقفال أبواب العمل الخيري للجمعيات لمجرد أن هناك شبهة الاستغلال السياسي من خلال المساعدات المقدمة للفقراء والمحتاجين، وهذا المسعى لا يستقيم مع ما تقدمه فعلا أيادي الخير والإحسان للكثير من المعوزين والمرضى والأرامل دون مَنٍّ ولا أذى ولا وصاية أو استغلال.

المطلوب هو تنظيم هذا الميدان بشكل قانوني ومن ثبت في حقهم أنه يخدمون مصالح وأجندات لا علاقة لها بالخير فتتوجب محاصرتهم بالآليات القانونية والضرب بيد من حديد على كل من يلتمس الخير طريقا نحو المنصب السياسي.

هناك أحزمة للفقر وأسر كثيرة تعاني من الهشاشة وعلى الدولة أن تعيد النظر في كل المشاريع والمبادرات الموجهة لهؤلاء والعمل على تأسيس علاقة تكافلية معهم وحمايتهم بتفعيل مبدأ المسؤولية بالمحاسبة في حق كل المسؤولين الذين ثبت تلاعبهم بمصير الفئات المهمشة والاستيلاء على نصيبهم من المساعدات.

نحتاج إلى عقليات منفتحة على لغة العصر وتتحمل مسؤولياتها في التدبير والتسيير والتخطيط، وإلى سياسيين يتحلون بروح المواطنة والجرأة في الجهر بالحق والاعتراف بالتقصير أيضا، والمطلوب كذلك برلمانيون يشرعون ما يتواءم مع طموح المواطن ومستقبل البلد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

الاستثمار في البشر يتطلب الاهتمام بمعيشه اليومي وتحقيق أمنه في الصحة والشغل والمسكن والملبس وتعليم جيد. تلك احتياجات ضرورية تمهد الخطوة نحو مجتمع متصالح مع ذاته ومتطلع إلى ضبط ساعته نحو التقدم والارتقاء إلى مصاف دول متقدمة وتحترم مواطنيها.

ولأن هناك من يسطو على الأموال الموجهة لتنمية المناطق النائية بالمغرب، ولأن هناك من يجد ضالته في استغلال الفقراء والمعوزين للوصول إلى مؤسسات الدولة كي يتسنى له نهب ثروات البلاد، فلا بد من طمأنة الشعب إلى أن هناك في المقابل مسؤولين يتمتعون بحس المواطنة وأن هناك مستثمرين يعلون من قيمة المجتمع.

كاتب من المغرب

4