لا مدارس ولا تعليم

لا رهان الآن على إرادة تعيد التعليم إلى المدارس؛ فالهاجس الأمني مقدّم على منع جريمة تجعل المدارس مساكن للأشباح.
الخميس 2019/12/05
مصر تستقبل عام 2020 بنظام للتعليم ليس نظاما ولا تعليما

منذ عام 1991 ألتزم بدفع الضرائب من المنبع، وقبلها كانت تُخصم كلما تقاضيت مكافأة نشر قصة قصيرة أو مقال وأنا طالب في كلية الإعلام بجامعة القاهرة.

 أدركت نهايات التعليم المجاني، الطبيعي الجادّ، في المدارس والجامعات. وبعد هذا العمر، بعد ثلاثة أشهر على بدء الدراسة، استطعت هذا الأسبوع سداد القسط الأول من المصاريف الدراسية لابنتي «ملك»، طالبة الثانوية. مبلغ كبير أدفعه مقابل حجز مقعد، مجرد مقعد، في لجنة الامتحان آخر السنة. ولو قسمت الأموال التي يأكلها تجار المدارس الخاصة، في بطونهم نارا، على مساحة المقاعد، لكانت النتيجة مأساوية، وكأنها مقاعد مؤهلة للجنة الأرضية مباشرة، ولكنها مقاعد في فصل ينتقل منه الطلاب إلى كليات تستنسخ كارثة المدراس.

هذا ما عانيته طوال خمس سنوات حتى تخرجت ابنتي سلمى من كلية الصيدلة بجامعة القاهرة، لانتقال المحاضرات من الكلية إلى مراكز «تعليمية» يستأجرها صغار المدرسين، لشرح مناهج مكانها «الحرم الجامعي»، وتكلفة اليوم الواحد بضع مئات من الجنيهات، في قسم بكلية الصيدلة تزيد مصاريفه السنوية الرسمية على 20 ألف جنيه.

 تستقبل مصر عام 2020 بنظام للتعليم ليس نظاما ولا تعليما، فوضى تنظمها تجارة تكلف الأسر أكثر من 17 مليار جنيه سنويا، وفقا لتقديرات غير رسمية؛ فلا يجرؤ مسؤول على إعلان الرقم الحقيقي.

 لدينا «مدارس بلا تعليم، وتعليم بلا مدارس» كما قال الدكتور شكري عياد. مشهد بائس لبنايات لا يدخلها الطلاب إلا أيام الامتحانات. ويعلم مالكو المدارس، بحكم الجشع وغياب الرقابة، أن الطلاب يغيبون، ويُستوفى الشكل بمدرسين غير مؤهلين مقابل رواتب زهيدة، في تواطؤ على تمثيلية يؤدي فيه أشباه المدرسين أدوار المدرسين، في شبه مدارس تبدو من الخارج كالمدارس، وتخضع لما يشبه وزارة التربية والتعليم، في شبه دولة.

أما التعليم ففي مراكز تضع لافتات كبيرة تسمى «سناتر»، جمع سنتر. وبدلا من الانتظام اليومي في عملية تعليمية تربوية مدتها تقريبا خمس ساعات تبدأ بطابور الصباح والسلام الوطني وترسخ هيبة المدرّس، تُستنزف طاقات التلاميذ في اللهاث من هذا المركز إلى ذاك، منذ شروق الشمس إلى ما بعد الغروب.

 لا رهان الآن على إرادة تعيد التعليم إلى المدارس؛ فالهاجس الأمني مقدّم على منع جريمة تجعل المدارس مساكن للأشباح. وفي ظل استمرار المهزلة، لن تثار قضية تطوير المناهج، لتظل مقاعد الامتحانات تضخّ متطرفين وأغبياء تزدحم بأمثالهم أسواق العاطلين.

24