لا مرشد أعلى في صفحات فيسبوك

لا يوجد مرشد أعلى في صفحات فيسبوك، ولا زعيم تقف الدنيا عنده بكل وقار وإجلال.
الأحد 2019/11/03
الشبكات الاجتماعية قد تفرز شخصيات لافتة (غرافيك «العرب»)

 لعل أجمل ما في الشبكات الاجتماعية أنها تعاكس المنطق الاجتماعي الذي يفرز قيادات وزعامات.

القياديون حالة طبيعية تعوّدنا عليها. البيت الأكثر حضورا في العشيرة يفرز القيادة، في البداية بالمبادرة، ولاحقا بالأحقية والأقدمية. تتآلف العشائر والأفخاذ مع بعضها البعض ليبرز التجمع القبلي. في القبيلة يتقدم الأفضل أو المفوّه أكثر، من بين البيوتات الأكثر حضورا، ليصبح شيخا. تنحو بعض القبائل لكي تتآلف وتتقارب وتشكل الدول. الدول تحتاج إلى أمراء وملوك، ومؤخرا إلى رؤساء.

الأديان تنطلق من النبي القائد المؤسس. كاريزما القائد، بقوتها وصرامتها أو ضعفها وتواضعها، تشكل هيئة الدين وصورته. لكنه بشر، فتبدأ عمليات الفرز فيما بعد رحيله. بعض عمليات الفرز بسيطة، وأخرى تكون على شكل صراعات بل وحروب أهلية. لكن الأمر يؤول إلى تشكيلة سياسية تمثل الدين، سواء اسمها مجمع كاردينالات أو مجلس شورى أو الدولة الأموية أو الدولة العباسية.

الأحزاب قبائل سياسية. الأفراد يتجمعون لصلة الفكر وليس برابطة الدم، أو على الأقل هكذا يبدو الأمر في بداياته. العصبية الحزبية هي وجه من أوجه العصبية القبلية بفارق تعريف القربى، ابن العم أم الرفيق الحزبي. والأحزاب تحتاج زعماء وأمناء عامين ومرشدين ومكاتب سياسية ولجانا مركزية. في مرحلة ذكاء الأحزاب، في بداياتها عادة، يكون الانتقاء ذكيا. بعد هذه المرحلة تبدأ الترهلات ويتم التصعيد بالأقدمية حتى وإن كانت الشكليات هي المؤتمر العام والترشيحات من القواعد إلى القمة والانتخابات.

في كل هذا تتم المحافظة على التراتبيات. التراتبيات القبلية صارمة عادة رغم أنها لا تنظّم بقوانين مكتوبة. لا أحد يكسر “نهوة” الشيخ. شيوخ القبائل قد يجلسون في مجالس مفتوحة توحي بالديمقراطية ويكونون خريجي جامعات محترمة ويقلّبون برامج التلفزيون بين الفضائيات ويتراسلون بواتساب على الهاتف المحمول. لكنهم يمارسون ما كان يمارسه آباؤهم وأجدادهم من سلطة معنوية على القبيلة لا ترضى بأن يتم تحديها.

في المؤسسات الدينية والدول الناتجة عنها، لا أحد يتردد في استخدام خطاب التكفير عند بروز المعارضة أو حتى محاولات الإصلاح. الدين مؤسسة ثورية، ولكن في مراحلها الأولى فقط. في عالم الدين، هناك ثورة واحدة حدثت منذ زمن وعلى الأمور أن تستقر بعدها، استقرارا نهائيا لا جدل فيه ولا فصال. أمانة الدين وضعت بين أيدي رجال الدين أو رجال السلطة المسلحة بشرعية الدين.

الشبكات الاجتماعية مشروع مستمر للتمرد على مركزية القيادات
الشبكات الاجتماعية مشروع مستمر للتمرد على مركزية القيادات

الحزبيون يقصون رفاق الأمس بكل قسوة. الأحزاب تفرز قيادات عندما تكون في مرحلة السرية أو أول مراحل استلام السلطة. بعدها يكون الصراع والترقب والمنافسة هي الأساس. في الأحزاب الديمقراطية الغربية تكون العملية منظمة وإن كانت لا تخلو من خيانات وتكتلات ودموع. في مجتمعات تختلط فيها السياسة بالقبلية، أو بالمبالغة بتصديق الدافع الأيديولوجي، قد يكون الإجراء للحفاظ على السيطرة هو العنف. رفاق يعدمون رفاقهم أو يسجنونهم أو ينفونهم.

الشبكات الاجتماعية غير، فهذه ليست مشروع تمرد على السلطة ومركزية القيادات والتراتبيات، بل هي أكثر من ذلك. قد تفرز شخصيات لافتة. قد تملك قداسة غير مباشرة وتوجّه الرأي. بعض هذه الصفحات بلا وجه معرّف واضح. هذا طبيعي. لكنها بقوتها وشعبيتها لديها قدرة استثنائية كامنة على خلق عناصر التمرد على هذه الشخصيات منذ أيامها الأولى. صفحة فيسبوك لمثقف أو سياسي أو ناشط هي سجلّ لأفكاره وتناقضاته وردود الآخرين عليه وتشخيصهم لعيوبه مثل حسناته. هي السجلّ لردود فعله أيضا على الآخرين وعلى الأحداث بما لا يتيح له أن يختبئ خلف التصنع والترفع واللغة الجميلة.

هذا لا يعني أن الجميع يسقط أو ينهار أو يفضح نفسه. كثيرون يحافظون على احترامهم وجديتهم ونستطيع ان نلتقط بسهولة ميزان حسناتهم وسيئاتهم ونرجّح كفة. ولكن الفرق هو أن جمهرة المثقفين أو السياسيين الجيدين غير محصورة بعدد محدود أو مقطوع مرتبط بحزب أو قبيلة أو طائفة أو دين. لو وضع أحدهم مسمّى لنفسه على أنه الأمين العام لتجمع الناشطين المدافعين عن القضية الفلانية، سرعان ما سيتلقى سيلا من الردود الناقدة أو الساخرة، ربما قبل وصول رسائل التأييد.

هذا ربما سبب الحيرة التي يواجهها العالم الآن مع حركات الاحتجاج والتمرد. فلا مركزية الحركات شيء استثنائي، ولا تعرف مع من يمكن الحديث للحد منها أو مفاوضتها. بل إنها قد تتجمع على هدف وتختلف على أهداف مما يزيد من صعوبة تفسير الظاهرة والتعامل معها.

لا يوجد مرشد أعلى في صفحات فيسبوك، ولا زعيم تقف الدنيا عنده بكل وقار وإجلال، ولا رئيس للمكتب السياسي لحزب المتجمعين من أجل السعادة أو الغضب أو حقوق النحل. الكل سواسية كأسنان المشط.

10