لا مستقبل للصحافة المطبوعة دون تنازل عمالقة الإنترنت

يؤكد واقع الإعلام الحالي أن الصحافة المطبوعة تواجه مستقبلا قاتما، طالما تهيمن شركات الإنترنت على إيرادات المحتوى الرقمي، ويرى ماتياس دوبفنر، الرئيس التنفيذي لشركة أكسيل سبرينجر أن القواعد الجديدة للمفوضية الأوروبية في ما يتعلّق بحقوق النشر، تمثل مخرجا للأزمة في حال تجاوبت شركات وادي السيليكون معها.
الاثنين 2016/10/03
الصحف في حاجة إلى إنعاش الإيرادات الرقمية

برلين – أبدى ماتياس دوبفنر، الرئيس التنفيذي لشركة النشر الألمانية أكسيل سبرينجر، تفاؤلا بمقترحات المفوضية الأوروبية التي طالبت مؤخرا بنصيب عادل لشركات النشر من منصات الإنترنت العملاقة، مشيرا إلى أن الواقع الراهن يرسم مستقبلا قاتما للإعلام التقليدي في ظل السيطرة المتصاعدة لعمالقة الإنترنت.

وقال دوبفنر في حوار مع صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية إنه متفائل من القواعد الجديدة للمفوضية الأوروبية في ما يتعلّق بحقوق النشر، لأنه سيمنح شركات النشر الحق في المطالبة بعائدات من شركات الإنترنت مثل غوغل وفيسبوك عندما تستخدم محتواها.

إلا أن المسؤول الألماني أكد على ضرورة أن يتوافق السعي الأوروبي لحل أزمة الإعلام التقليدي والمقترحات التي قدمها، مع مجموعة الشركات التي تسيطر على وادي السيليكون، فمن دون هذا التوافق يمكن أن تسير شركات النشر إلى نهايتها المحتومة بالاندثار، والتي تهدد بدورها الديمقراطيات الغربية.

وشرح وجهة نظره قائلا “سيكون لدينا احتكار لتوزيع المحتوى المدفوع بشكل أساسي من المحتوى المُقدّم من مستخدمي الإنترنت، ومن المحتوى المهني من قِبل المعلنين التجاريين”.

وأضاف “هذا يؤدي إلى اختلاط الشائعات والمعلومات غير المؤكدة مع الحقائق، وهذا الافتراض في حال تحققه سيكون مؤلما جدا للديمقراطيات”.

هذا السيناريو يبدو مقلقا جدا للمؤسسات الإعلامية الغربية التي توزع أكثر من مليون نسخة يوميا، فكيف سيكون حال المطبوعات العربية التي لا توزع بالأساس سوى بضعة آلاف منها.

ويقول متابعون إعلاميون إن مشكلة الصحف الغربية الأساسية تتلخص في تراجع التوزيع، لذلك فإن مستقبل الصحف العربية يبدو أكثر ضبابية، أزمة المنافسة في العصر الرقمي ستضاعف مشكلات الصحف العربية التي تعاني أساسا من انعدام ثقة القراء، لذلك لا بديل لديها عن تطوير المحتوى وابتكار أساليب جديدة لجذب الجمهور.

ويدافع دوبفنر بشراسة في سبيل حماية شركات النشر باعتباره رئيس أكبر شركة نشر في أوروبا، ومنذ أن استلم منصبه على قمة أكسيل سبرينجر في عام 2002، كانت استراتيجيته استخدام إيرادات الصحف المطبوعة، لتمويل التوسّع الدولي وعمليات الاستحواذ الرقمية.

حيث تعتمد مجموعة أكسل سبرينجر على الصحف المطبوعة لتحقيق نحو ثُلث أرباحها. رغم قيامها بترويج الاشتراكات الرقمية.

ويؤكد خبراء في الإعلام أن شركة أكسيل سبرينجر لا تزال مدعومة من صحيفتيها؛ بيلد، الصحيفة الأكثر مبيعا في أوروبا، ودي فيلت. وعلى الرغم من أن التوزيع وإيرادات الإعلانات المطبوعة تتناقص بشكل كبير، إلا أن الصحيفتين لا تزالان تُمثّلان ثلث أرباح شركة أكسيل تقريبا والتي تبلغ 1.5 مليار يورو.

ماتياس دوبفنر: نحن لا نملك قدرة المبادرة، غوغل ليست في حاجة إلينا، أما نحن ففي حاجة إلى غوغل

كما أن الاشتراكات على الإنترنت لصحيفة بيلد ودي فيلت تنمو تدريجيا، حيث وصلت إلى 400 ألف مشترك للصحيفتين.

ويتحدث ديفيد بوند وجاي شازان، في تقريرهما لفاينانشيال تايمز، أن دوبفنر سبق أن عبر عن مخاوفه لإريك شميدت رئيس مجلس إدارة غوغل، في رسالة مفتوحة وجهها له عام 2014. وعندما فرضت الحكومة الألمانية قانونا يجبر غوغل على دفع مقابل من استخدام محتوى شركات النشر الألمانية، عمد العملاق الأميركي إلى شطب عناوين تلك الشركات من محرك البحث، مما أدى إلى نتائج صادمة، وأكد دوبفنر أن حركة المرور على الأعمال التي تنشرها أكسيل على الإنترنت، انخفضت بنسبة 85 في المئة.

وأضاف دوبفنر “نحن لا نملك قدرة المبادرة تجاه غوغل، وليست أمامنا محركات بحث أخرى من أجل الحفاظ على حضورنا على شبكة الإنترنت أو تطوير هذا الحضور. إن غوغل ليست بحاجة إلينا، أما نحن فبحاجة إلى غوغل”.

ولا تنسى غوغل أن شركة أكسيل سبرينجر سبق أن شنت حملات ضغط ضدها في بروكسل، بشكل مباشر وعن طريق رابطة الناشرين الأوروبيين، إلا أن دوبفنر ينفي أي حديث عن سيطرته على قرارات المفوضية الأوروبية، وما يجري الترويج له بأن المفوضية الأوروبية تستهدف شركة أبل بالقضايا الضريبية كأجندة مناهضة ضد الولايات المتحدة.

ويؤكد دوبفنر أنه لا يمكن الحديث عن ضغوط أوروبية من قبل الشركات الألمانية ولا حتى من قبل رابطة الناشرين، فغوغل تملك من القوة ما يمكنها من مواجهة “الضعفاء”.

ومن المؤكد أن مخاوف الأوروبيين من المنصات الإلكترونية لا تقتصر على غوغل، إذ أن فيسبوك واحد من بين كبار المسيطرين في هذا المجال، وعلى الرغم من التوتر بين المسؤولين الألمان وفيسبوك في العديد من الأحيان، إلا أن مارك زوكيربرغ، رئيس فيسبوك، زار برلين في فبراير الماضي، لتسلم جائزة شركة أكسيل سبرينجر للابتكار، وأكد دوبفنر “أنه يحرص على التفاهم مع مجموعات التكنولوجيا الأميركية”.

ويبدو أن دوبفنر قلق من المستقبل، فهو من كبار المهتمين بالاستثمار في الشركات الرقمية الناشئة، ويسعى من خلال أكسيل سبرينجر للاستحواذ على وسائل إعلام جديدة في الولايات المتحدة، بينما يقلص من اعتماده على الصحف التقليدية والسوق الأوروبية.

واشترت إكسل سبرينغر، العام الماضي، 88 بالمئة من أسهم موقع “بيزنس إنسايدر” في صفقة بلغت قيمتها 343 مليون دولار أميركي.

وعلقت سارة سايمون، المحللة في وكالة بيرنبيرج، على الصفقة بالقول “إن المستثمرين كانوا متشككين من استراتيجية شركة أكسيل سبرينجر الرقمية. والكثير من الناس يترقبون ما سيبدو عليه النموذج الاقتصادي للإعلان على الإنترنت. لكن مع بيزنس إنسايدر، الكثير من المحتوى يبدو أنه لا يحمل علامة تجارية ولست متأكدة من أن الناس سيدفعون مقابل ذلك”.

ورغم اهتمامه الكبير بالتركيز على المستقبل الرقمي، يقول دوبفنر “أنا مؤمن قوي بمستقبل الصحافة الرقمية، أعتقد أن الصحافة الرقمية ستكون أفضل من حيث النوعية وربما من حيث نموذج أعمالها، لكن هذا يعتمد كثيرا على قواعد معينة تسمح بالمنافسة العادلة”.

18