لا مستقبل مشرقا لـ"ورد مسموم" في روتردام السينمائي

شهدت الدورة الـ47 من مهرجان روتردم السينمائي العرض العالمي الأول للفيلم المصري "ورد مسموم" أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج الشاب أحمد فوزي صالح، وقد عرض الفيلم في مسابقة قسم "المستقبل المشرق" المخصص للأعمال الأولى والثانية لمخرجيها.
الخميس 2018/02/01
إغراق في الغموض

بداية يجب القول إن عنوان الفيلم المصري “ورد مسموم” والذي عرض مؤخرا في مهرجان روتردام السينمائي الـ47، غير دقيق لغويا، والصحيح أن يكون الورد “ساما”، أي يسبب التسمّم، وليس “مسموما”، لكن هذه ليست مشكلة الفيلم، بل هي أكبر من هذه.

لدينا مخرج يدخل مجال الفيلم الروائي دون أن تكون لديه رؤية واضحة عمّا يريد نقله إلى المشاهدين من خلال موضوع فيلمه، فلا بد أن يكون هناك موضوع ما يرغب في التعبير عنه سينمائيا مهما كانت شطحاته وجنوحه نحو التجريب، إذ بعد مشاهدة الفيلم يخرج المتفرج بشعور محبط بعد أن يفشل في فهم ما يدفع شخصياته إلى الدوران في تلك الحلقة المفرغة، من دون أمل في النجاة.

فبدلا من الاقتراب من عالم الشخصية الرئيسية الوحيدة في الفيلم، وهي شخصية الفتاة "تحية" (فكل ما عداها شخصيات ثانوية) يستعذب المخرج أحمد فوزي صالح فكرة الإغراق في الغموض، وكأنه يتستّر وراءه عن السيناريو الهزيل الذي كتبه ولم ينجح في جعله أساسا قويا لفيلمه.

للفقر أيضا جمالياته، ويمكن لمخرج يمتلك رؤية ناضجة أن يعثر فيه على حس شعري ما، وهو ما لم يفعله أحمد فوزي صالح

عودة إلى الـ"جلد الحي"

قبل نحو ثماني سنوات قدم أحمد فوزي صالح فيلمه التسجيلي القصير "جلد حي" الذي أدهشنا بصوره الواقعية الصادمة لمأساة العيش في منطقة المدابغ بوسط القاهرة، حيث يجري جمع جلود الحيوانات ودبغها باستخدام طرق بدائية ومواد كيميائية شديدة الخطورة على الصحة، وكان الفيلم يركز على قضايا تشغيل الأطفال والتلوث والفقر.

وكانت الصور التي صدمتنا أكثر، لقطات الطرقات الضيقة الملتوية في ذلك الحي العتيق من أحياء القاهرة، التي تنساب فيها مياه الصرف الصحي، ومشاهد بيوته المتداعية المتراصة، وأكوام القمامة والمخلفات الملقاة في المياه، ومع ذلك كان الإنسان في هذا الحي يتحايل من أجل الاستمرار في الحياة والعمل في تلك المهنة التي توارثها جيلا بعد جيل.

نجح صالح في “جلد حي” في خلق إيقاع خاص متدفق نابض بالحركة والحياة لفيلمه، كما أولى اهتماما خاصا بتكوين اللقطات، مع منحها أبعادا “تجريدية” دون أن تفقد واقعيتها.

ويبدو أن عالم المدابغ الذي يغرق في الفقر والتخلّف والتلوّث وطرق العمل البدائية، يستهوي فوزي صالح كثيرا ويسيطر عليه، فقد ظل أسيرا للفكرة وربما راودته الرغبة في إعادة تصويره، ولكن في فيلمه الروائي الأول أخذ يكرّر نفس اللقطات، لنفس الطرقات الضيقة، وقنوات المياه القذرة التي تجري وسط البيوت، ومعاناة العاملين في مدابغ الجلود، أي أنه أراد أن يصنع عملا واقعيا يرتبط بالتعبير عن جانب من حياة البسطاء والمهمشين.

أدران الحارة ومدابغها

ولكن بينما كان هناك سياق لمثل هذه اللقطات في “جلد حي”، يكتفي في “ورد مسموم” بالوصف والاستغراق في الوصف الخارجي دون أن يتمكّن قط، من النفاذ إلى ما هو أبعد من هذا الوصف السطحي للحي وبيئته وتضاريسه وتلوّثه وقذارته.

وكأنما أصبح تصوير التخلّف والفقر والتلوّث غاية في حد ذاتها، أضف إلى هذا الافتقاد المروّع للحبكة ولشخصيات واضحة، تكتسب طابعا إنسانيا بحيث يمكننا التعاطف معها، على الرغم من أن العناوين التي تظهر على الشاشة في نهاية الفيلم تقول إنه مقتبس عن رواية للكاتب أحمد زغلول الشيطي، بعنوان “ورد سام لصقر” (وليس مسموم).

وفي فيلم “ورد مسموم” شخصية وحيدة رئيسية، هي “تحية” التي نراها في جميع مشاهد الفيلم، يتيح لها المخرج مجالا للتحـرك ذهابا وإيابا، فهي تخـرج مـن الحـارة، وتظل تسير وتسير كل يوم، تحمل وجبة الطعام التي أعدّتها لشقيقها “صقـر” الذي يعمل في المدابغ في ظروف غير إنسانية.

لكن صقـر لا يبـدي اهتمـاما كبيـرا بالطعـام الذي تأتيه به تحية، إذ يظهر وقـد فاض به الكيل مـن الاستمرار في هـذا العمـل، يريـد أن يعثر على طاقـة للأمل خلف هذا الطريق المسدود، إنه يسعى للخروج من الحارة ومن المدابغ، بل ومن مصر كلها إلى أوروبا.

أما تحية فعلاقتها بصقر علاقة استحواذ، تريده فقط لنفسها، تشعر بالغيرة من مجرد أن تسمع منه أنه التقى فتاة أخرى، ترمقه في غضب واحتجاج عندما تراه يتحدّث مع ممرضة في المستشفى الذي أخذها إليه عندما جرحت يدها.

هل هي علاقة عشق؟ أم هو شغف فتاة بشقيقها الوحيد بعد وفاة والدها وبقاء أمها على الهامش؟ أما الأم فهي خارج الحدث تماما، وعندما تظهر في مشهدين أو ثلاثة، نراها تأكل وتتطلّع إلى ابنتها غير مبالية.

المتفرج سيشعر بعد نهاية الفيلم أنه أمام عمل مرتبك، يفتقد إلى الرؤية الفنية الواضحة والتماسك وسحر الواقع نفسه

هذه العلاقة

في أحد المشاهد تخاطب الابنة أمها بحدة قائلة إنها الوحيدة التي تتحمل مسؤولية البيت، رغم أن شقيقها يعمل عملا شاقا مُجهدا، وتقول أمها أيضا أنها تعمل، ولكن الفيلم لا يكشف طبيعة عملها، ويزداد الأمر غموضا عندما تقـول تحية لشقيقها صقر قـرب نهـاية الفيلـم “لمـاذا لا تتزوجني؟”.

صقر يريد أن يغترب، وعندما تعرف تحية باعتزامه السفر تفسد العملية كلها بمنتهى العنف، ثم تحاول الانتحار، لكن صقر ينقذها ثم ينجح في تدبير الأمر على أن يسافر في أحد “قوارب الموت” إلى أوروبا.

لكننا لا نرى هذا الجانب، بل نشاهد ما انتهت إليه المحاولة، فنعرف (شفاهيا) أنه تم إلقاء القبض عليه مع زملائه، ثم يخرج من الحبس ويعود إلى المدابغ، ثم ينتقل إلى عمل آخر، ثم لا نعرف ماذا سيحدث له ولا لتحية؟ لكن تحية أصبحت أكثر سعادة بفشله في السفر، وفي المشهد الأخير الذي يدور في ساحة المولد والاحتفالات بين الألعاب والمراجيج، تبتسم للمرة الأولى.

على المستوى الخارجي يصور الفيلم مظاهر الإحباط والقسوة والفقر والتخلف والمرض والبيوت المتداعية والحارات التي تفيض بمياه الصرف الملوثة، لكن من دون حبكة ولا شخصيات واضحة حتى لو افترضنا أنه يريد تجريد موضوعه تماما من العامل النفسي.. فما هو الجديد في تصوير كل هذه الأشياء التي سبق أن شاهدناها في “جلد حي” وفي سياق أكثر إقناعا.

المخرج يدخل الفيلم الروائي بلا رؤية واضحة عما يريد نقله إلى المشاهدين

يبدو فوزي صالح مولعا بدفع الكاميرا لتتبع تحية في مساراتها اليومية من الحارة إلى المدابغ في لقطات طويلة، مع كاميرا متحركة، ومن خلال إيقاع بطيء، فتحية تمرّ بممرّات وحارات وأزقة ضيقة، وتعبر قنوات قذرة، وتظلّ تسير والكاميرا تتابعها من الخلف تارة، أو من الأمام تارة أخرى، هذه الحركة تتكرّر يوميا.

كما تتكرّر مشاهد إعداد تحية الطعام لصقر، وكأنها لا تفعل شيئا في حياتها سوى إعداد الطعام، بل إنها تحمل آنية الطعام أيضا وتقدّمها له عندما يهبط من سيارة الترحيلات التي تنقله إلى قسم الشرطة، وهي مغالاة لا معنى لها بل تثير السخرية.

ورغم هذا كله فتحية تعمل، ونحن نراها في مشهدين أو ثلاثة في العمل، وعملها هو تنظيف الحمامات في مكان قد يكون فندقا أو غير ذلك، الفيلم لا يحدّد طبيعة المكان، لكنه يستخدمه لكي يطلعنا على بعض مشاكل العاملات في مثل هـذه الأماكن: تـروي إحداهن أن زوجها يضربها لأنها ترفض أن يعاشرها جنسيا مرتين أو ثلاث مـرات يوميا، ثم ينصحها بالذهاب إلى شيخ، وعندما تذهب إليه يشك في إقامتها علاقة مع رجل آخر.

لكن، هناك “شيخ” آخر في الفيلم، شيخ ليس بشيخ، فهو ليس طاعنا في السن، كما يرتدي الملابس العصرية التي تليق بأي “أفندي” أو موظف حكومي، ولا يطلق حتى لحيته، بل ولا يبدو مجذوبا أو مجنونا أو “صاحب حظوة” كما يريد الفيلم أن يوحي به، خاصة أن من يؤدي الدور هو محمود حميدة.

يجلس هذا “الشيخ” -هكذا ينادونه- يراقب ويتفرج، وأحيانا يلعب الورق، تذهب إليه تحية تطلب أن يمنحها تعويذة تحول بين صقر والمغادرة، ويصف لها الرجل وصفة هزلية تتعلّق بقطف أوراق الورد الأحمر ووضعها في إناء ثم رميها في مياه النيل، إلخ. وهي وصفة لا تنفع بالطبع، بدليل أن صقر يحاول بالفعل السفر بعد ذلك!

وربما تكون لشخصية الشيخ أبعاد أخرى في الرواية التي صدرت عام 1990 وأحدثت صدى جيدا، وليس مطلوبا أن يقرأ المشاهد الرواية لكي يفهم الفيلم، فالفيلم عمل مستقل بذاته.

الصنعة والتكلف

ربما تكون هنا أبعاد أخرى “إنسانية” تضفيها الرواية على شخصيتي صقر وتحية، فالغموض الذي يلف شخصية تحية ودوافعها، وهامشية شخصية الشيخ، ونمطية شخصية صقر، تجعل الفيلم عملا شديد الضحالة والافتعال، على الرغم من الاجتهاد المبذول أثناء التصوير في تلك الأماكن التي لا يعرفها أحد، والتي تصوّر مظاهر التدهور بشكل صادم، وكذلك براعة اختيار الأغاني الشعبية الشائعة التي تتردّد عبر شريط الصوت.

"تحية" الشخصية الرئيسية الوحيدة في الفيلم

لكن للفقر أيضا جمالياته، ويمكن لمخرج يمتلك رؤية ناضجة أن يعثر فيه على حس شعري ما، بحيث يرتفع بفيلمه وبشخصياته إلى مستوى فني يصل إلى الجمهور في كل مكان.

هل تزوّجت الأخت شقيقها بالفعل وأصبحت بينهما علاقة “محرّمة”؟ لا يستطيع فوزي صالح أن يفصح عنها لأسباب "رقابية"، في المشهد ما قبل الأخير، أي بعد خروج صقر من السجن وعودته إلى المنزل، تدخل عليه تحية في غرفة النوم وهو يرتدي ملابسه، تقوم كأي زوجة بتسوية الفراش، قبل أن تهمس له “ألا تتزوجني؟”، فيجيبها على الفور “وهل ينفع هذا؟”.

وإذا افترضنا وجود مثل هذه العلاقة “المحرّمة” بينهما، فما السبب، وما الدافع، وما علاقة الفقر والتدهور والمدابغ والوسائل البدائية والآلات العتيقة المستخدمة في دبغ الجلود بمثل هذه العلاقة؟ وهل تعاني تحية من حالة نفسية شبيهة بمرض “الوسواس القهري” مثلا، والذي يدفعها إلى التفكير المستمر في صقر، والحرص على تغذيته، بينما الأم لا تكاد تشعر بابنها أصلا؟ وما هذه الأم ولماذا هي هكذا، وهل هكذا يرى فوزي صالح العلاقات الأسرية في مثل هذه الأحياء الشعبية البسيطة؟

ينتهي “ورد مسموم” دون أن يعثر المتفرج على أي إجابة على تساؤلاته، بل ولا يصبح أقرب إلى تلك الشخصيات العابرة الهامشية الصامتة معظم الوقت، ولكنه سيشعر فقط أنه أمام عمل مرتبك، يفتقد إلى الرؤية الفنية الواضحة، كما يفتقر إلى التماسك والانسجام وقبل هذا كله، يفتقد لسحر الواقع نفسه.

لقد ضلّ أحمد فوزي صالح الطريق، واعتمد على غرابة المكان وحدها كوسيلة لتحقيق الدهشة، دون أن يولي اهتماما كافيا بالسيناريو وتطويره والتعامل الجدي مع شخصياته، فافتقد فيلمه القدرة على الإقناع، وغلبت عليه الصنعة والتكلف، وحتى “الورد المسموم” لم نفهم لها أي معنى في سياق الفيلم!

ناقد سينمائي مصري

15