لا مصالحة ولا إصلاح في الوضع الفلسطيني

الوضع الفلسطيني بات يستعصي على الإصلاح، وأي محاولات ترقيعية سواء باسم استعادة الوحدة أو باسم إعادة ترتيب وضع المنظمة لن تفيد شيئا، سوى بحراسة الواقع الراهن والحفاظ على امتيازات الطبقة السياسية.
الاثنين 2018/08/06
مصلحة الفلسطينيين هي في التغيير الشامل

لم يعد مجديا ترقب أو التعويل على أي مصالحة بين فتح وحماس، لإنهاء الانقسام الفلسطيني، كما لم يعد مجديا ترقب أو التعويل على إصلاح المنظمة أو السلطة، إذ بات كل ذلك مجرد كلام للاستهلاك أو الترقيع أو الحفاظ على السائد الذي لا يقدم ولا يؤخّر، وأخيرا لم يعد مجديا التعويل على أي محاولة فلسطينية لمراجعة الخيارات السياسية المعتمدة منذ أكثر من ربع قرن، والتي ثبت فشلها أو إخفاقها.

هذا الاستنتاج ناتج أولا عن عقم كل الجهود التي حاولت الاشتغال على أي من الخيارات المذكورة، أي المصالحة واستعادة وحدة الكيان الفلسطيني، أو إعادة استنهاض أو بناء منظمة التحرير، وتاليا تصحيح وضعية السلطة، بحيث لا تغدو مجرد سلطة إدارة ذاتية، تحت سلطة الاحتلال، أو مراجعة الخيارات السياسية ومنها حل الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، أو إقامة سلطة تتعايش مع الاحتلال.

ثانيا إن هذا الاستنتاج ناجم عن حقيقة مفادها أن السياسة أو الخيارات الفلسطينية، في وضعها الراهن إنما هي تصدر عن ردود فعل للسياسة الإسرائيلية أو الأميركية، كما حصل في سَنّ إسرائيل لقانون أساس (دستوري) بشأن “القومية اليهودية” مؤخرا، الأمر الذي يطيح بكل الأوهام التي تأسست عليها التسوية، وضمنها حق تقرير المصير للفلسطينيين في أرضهم ووطنهم، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، وحق المواطنة المتساوية لفلسطينيي 48 بعد أن وضعهم القانون المذكور في درجة ثانية أو ثالثة، وهو ما حصل في اعتراف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، الأمر الذي يعني التهرب من مكانتها كراع نزيه وكطرف محايد في عملية المفاوضات. أي أن الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل القيادة الراهنة للمنظمة والسلطة، باتت تشتغل وفقا لردود الفعل الآنية، وليس وفقاً لمبادرات أو وفقا لاستراتيجية سياسية واضحة.

ثالثا إن الاستنتاج المذكور ناجم عن حقيقة مفادها أن الكيانات السياسية الفلسطينية، أي المنظمة والسلطة والفصائل، باتت مستهلكة ومتكلسة وتفتقد لحراكات سياسية حقيقية، تمكنها من مراجعة بناها والارتقاء بأوضاعها وتجديد شبابها.

كل الاستنتاجات المذكورة تفيد بحقيقة أساسية ينبغي التعاطي معها بكل جدية ومسؤولية في معالجة الأزمة الفلسطينية المستعصية، ومفادها أن لا حل لهذه الأزمة الشاملة إلا بمراجعة التجربة الماضية، بخطاباتها ومفاهيمها وبناها وأشكال عملها وعلاقاتها، والقطع معها، لأنه من دون المراجعة النقدية المسؤولة والقطيعة مع تلك التجربة، لا يمكن التخلص من إرث المرحلة الماضية، بل سيفضي على الأغلب، لإعادة إنتاجها، وبالتالي الاستمرار في تبديد التضحيات والنضالات، وتكريس حال الضياع والحيرة والتشرذم عند الفلسطينيين.

على ذلك فإن الفكرة هنا أن أي كلام يتضمن إعادة إنتاج السائد ولو بنوايا حسنة، إنما هو إعادة إنتاج للتجربة وللطبقة السياسية السائدة المتحكمة بالمنظمة والسلطة، وتاليا لذلك فإن أي كلام يفترض التأسيس لأي محاولة تجديدية، يجب أن ينطلق من حقيقة أن ثمة مرحلة قضت وينبغي طيّ صفحتها، ببناها وأشكال عملها وشعاراتها، لأنه من دون التحرر من كل ذلك سيبقى الوضع الفلسطيني على حاله.

في هذا الإطار فإن أي محاولة تجديدية، أو أي محاولة لإخراج الوضع الفلسطيني من أزمته يفترض أن تنطلق من إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني، رغم خصوصية كل تجمع، أي التخلص من إرث اتفاق أوسلو (1993)، الذي جعل الفلسطينيين بمثابة أجزاء عديدة، أو “شعوب” عديدة، باختزال الفلسطينيين بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة 1967، أي في الضفة والقطاع، وإخراج الفلسطينيين اللاجئين وفلسطينيي 48 من إطار الشعب الفلسطيني، وهو ما سكتت عنه السلطة، سيما بتهميش منظمة التحرير، هذا أولاً.

ثانيا، فإن أي محاولة تجديدية يجب أن تنطلق من اعتبار قضية فلسطين واحدة، وأن للفلسطينيين رواية واحدة تأسيسية، تتحدد بالنكبة وإقامة إسرائيل، على حساب شعب فلسطين (1948)، وتاليا عدم التعاطي مع أي رواية أخرى تتماهى مع الرواية الإسرائيلية التي تعتبر أن قضية فلسطين نشأت في العام 1967، ما يعطي حقا لإسرائيل في موضع لا حق لها فيه، وما يمكّنها من ادعاء حقوق لها حتى في الأراضي التي احتلتها في 1967، وضمن ذلك الحق في الاستيطان واعتبار القدس عاصمة موحدة لها.

ثالثا، إن أي محاولة تجديدية، أو للخروج من الأزمة الفلسطينية الراهنة يجب أن تنطلق من اعتبار إسرائيل دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، وأن الكفاح ضدها يجب أن يأخذ باعتباره مجمل تلك السمات، وهو الأمر الذي يفترض من الفلسطينيين إعادة الاعتبار للتطابق بين أرض فلسطين وشعب فلسطين وقضية فلسطين، وحركته الوطنية، بطرح القضية بوصفها قضية كفاح وطني ضد الاستعمار والعنصرية.

الوضع الفلسطيني الراهن بات يستعصي على الإصلاح، وأي محاولات ترقيعية، سواء باسم استعادة الوحدة، أو باسم إعادة ترتيب وضع المنظمة أو السلطة، لن تفيد شيئا، كما أثبتت التجربة، إذ هي فقط تفيد بإعادة حراسة الواقع الراهن، والحفاظ على امتيازات الطبقة السياسية المتحكمة بالمنظمة والسلطة، لذا فمن الأكيد أن مصلحة الفلسطينيين هي في التغيير الشامل، وهذا ما ينبغي الحث عليه، أو العمل بناء عليه، وفقا للتصورات المذكورة.

8