لا مفر من هزيمة الانتقال إلا بالانتقال

على يقين أنني قريبا سأنتقل قلبا وقالبا في السكن، لأن الانتقال دون انتقال كلي لا يكون انتقالا، فنحن قد ننجح في الكذب على كل العالم لكننا نفشل حتما في الكذب على أنفسنا.
الأربعاء 2020/08/19
الانتقال لا بد أن يكون من الفشل إلى النجاح

الانتقال من منزل إلى آخر أو من مكان إلى مكان قدر لا مفر منه بالنسبة للبعض، تولد من رحمه ذكريات لا يزول أثرها بسهولة.

انتقلت من مسكني حديثا قياسا بالمدة الزمنية لمشاعر تقع في منزلة ما بين المنزلتين فلا أنا بالسعيدة ولا بالحزينة، كنت أعتقد أن المثل القائل “الأماكن القديمة قصص بلا لسان” قطعيّ إلى أن أخذتني تأملاتي في ما حولي إلى اكتشاف أن ذاكرتي امتلأت حد النخاع بنَفسِ مأواي الجديد.

لم أجرب يوما ألم طفل تشتتت مشاعر طفولته وصباه وشبابه ولربما كهولته أيضا بين جدران منازل متفرقة، لذلك فمن الصعب أن أدرك معنى الانتقال.

لكن من المضحكات المبكيات أن عائلتي التي تحاول التغلب على وضعنا الراهن بالتسليم لمشيئة الله، تركت بعضا من الأثاث في منزلنا القديم وتتحجج أمي وأبي يوما بعد آخر بالذهاب من أجل جلبه.

وهذا ما ذكرني بمسمار جحا الذي باع منزله مشترطا في العقد أن يكون له الحق في زيارة مسمار مثبت على حائط في قعر الدار كلما أحب، فوافق المشتري على أساس أنه أمر وقتي ولكنه فوجئ بحضور جحا مختارا لأوقات الأكل ليشاركه طعامه، فلم يستطع الرجل الاستمرار على هذا الوضع، وترك المنزل بما فيه وهرب!

قطع الأثاث القليلة لن تكون حجة عائلتي قريبا ولن يفر الملك الجديد ولن نهرب من ذكريات ستظل عالقة بأعماقنا تتخفى من نظرات فضولية تحاول اختبار مشاعر تحكي طفولتنا وصبانا.

وإذا كان لا مفر من الانتقال حقا فلا بد أن يكون انتقالا من الفشل إلى النجاح، فالاستسلام إلى فكرة الثبات والتعلق بالأشياء ليس إلا قيودا تكبح جمحنا عن التحليق في أفق أرحب.

نخاف التحول عن عاداتنا وثوابتنا ونواميسنا القديمة، نتمسك بها بشدة دون أن ندرك أن الانتقال لا يجثم على أنفاسنا إلا متى سمحنا نحن له بذلك، ولا أدل على ذلك من وقوفنا أمام فايروس كورونا الذي عرى حقيقة رفضنا الباطني للانتقال.

الجميع أجزم بأنه سيعود إلى حياته القديمة بمجرد أن ترفع السلطات حظر التجول، ولم يكذبوا خبرا فقد “رجعت حليمة إلى عادتها القديمة” كما يقول المثل، ونسي الخلق في زحام حياتهم الجديدة القديمة الحذر من الوباء.

لم ينتقل الكثير من الناس إلى اتباع السلوكات الجديدة التي تؤكد على مبدأ التباعد الاجتماعي، بل تمسكوا بعاداتهم يتلطمهم الاكتظاظ ويأخذهم الازدحام بعيدا عن كل المحاذير الانتقالية لمواجهة الجائحة.

 ولم يسكن أحد إلى فكرة التغيير حتى مع تكشير الفايروس عن أنيابه في موجة ثانية قد تحصد المزيد من الأرواح، لكنها قد لا تفلح في رسم طريق جديد للتعايش معه.

أدركت أن كورونا لم يزعزع إلى حد ما ثوابتنا، لكنني على يقين أنني قريبا سأنتقل قلبا وقالبا في السكن، لأن الانتقال دون انتقال كلي لا يكون انتقالا، فنحن قد ننجح في الكذب على كل العالم لكننا نفشل حتما في الكذب على أنفسنا.

قد أستسلم يوما لكن لا شيء قد يمحو أثر كلمات أبي تماما من ذاكرتي “نَقِّلْ فؤادك حَيثُ شئتَ من الهوى — مالحُبُّ إلاّ للحبيب الأوَّل/كم منزل في الأرض يألفه الفتى — وحنينه أبدا لأوَّل مَنزل”، فللحب ضروب من التجليات.

ولا يبقى أمامنا في الحقيقة إلا أن نهزم الانتقال بالانتقال الحضاري، فالحكمة تقتضي أن يكون “الشيء الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير المستمر”. وكما تقول برنسيسة الغناء العربي ديانا حداد “ليروح خل ايطير أصلا حلو التغيير.. كولش حلو ان جدد طيبه الأمور تصير”.

24