لا مفكرات عربيات

لدينا عدد من النساء الباحثات اللاتي طبقن الأسئلة المعرفية الغربية على النصوص العربية بجدارة، ولكنهن لم يحظين بمن يسلط الضوء عليهن.
الأحد 2019/09/29
إشكاليات الثقافة في الوطن العربي هو تغيّب المرأة (لوحة الفنانة مايسة محمد)

بشكل عام أرى أن نتاج المرأة العربية هو نتاج كمي وكيفي يكاد يقارب في العدد إنتاج الرجل، ولا يقل في أهميته عن طرح الموضوعات الإنسانية العامة التي يطرحها الرجل، بل أعتقد أن عددا لا بأس به من النساء استطعن الخروج من دائرة منافسة الرجل، وجودة النص حقيقة تعتمد على قوة العناصر الثقافية في المنطقة الجغرافية التي ينتمي لها الأديب أو الأديبة. وفي المقابل أيضا نجد الرجل ناشرا وزميلا سعيدا جدا بما تقدّمه المرأة، ويدعمها في أغلب الأحيان لأنه كمثقف أصيل يعي جيد أن من إشكاليات الثقافة في الوطن العربي هو تغيّب المرأة.

على المستوى الأدبي نجد هناك زخما في إصدار الأعمال الأدبية النسائية، وتزايدا في عدد الإصدارات من ناحية كمية، أما من ناحية الكيف فأيضا نجد تنوعا لافتا في الموضوعات المطروحة. أما على المستوى النقدي، نجد الناقدات الأدبيات يقدمن قراءات نقدية بها وعي نقدي كبير وفهم للمناهج النقدية المتعددة، المتاحة في زمننا هذا للرجل والمرأة. وعلينا أن نربط إنتاجها بإنتاج الثقافة العربية بشكل عام.

وهم الحرية

لكن عند التعمق بنظرة نقدية لإنتاج المرأة، أعتقد أن المرأة العربية اليوم تقع بفخ اعتقادها أنها استطاعت الخروج من القمقم التاريخي الذي احتجزها لقرون، وما إن استطاعت ذلك فهي حرة وقادرة على التعبير عن ذاتها بحرية كاملة، وهذا يقود إلى عدد من الأمور، الأمر الأول: هو عدم الانشغال بموضوعات المرأة وثيمات القهر الحقيقية، تحرّرا منها وخروجا من الأيديولوجيات النسائية بتعدد اتجاهاتها.

نجد المرأة تعبّر عن موضوعات إنسانية مشتركة لا يختلف عليها إن كانت مكتوبة من قبل رجل أو امرأة، فتنتفي بذلك خصوصية كتابة المرأة. وهذه ظاهرة كتابية أسبابها متعددة: منها أن هذه المرأة الكاتبة لا تعي بإشكاليات واقع المرأة المعاصر، وتعتقد بما أن الدول على المستوى السياسي والتمثيل الديمقراطي فتحت المجال أمام المرأة في عدد من الموضوعات فهذا يعني أن المرأة ليست بحاجة لمن يكتب عن موضوعاتها، مع التناسي التام لقضية أن هناك شرائح اجتماعية كثيرة لم يتم فيها تمكين المرأة، وتحتاج إلى الكثير من الدعم في الكتابة والمناقشة وطرح المزيد من القضايا، والالتفات إلى قضية الاختلافات الثقافية داخل المجتمع الواحد، فهناك مجتمعات أقل انفتاحا وأكثر تضييقا على النساء وبالتالي هن بحاجة إلى من يتحدث بالنيابة عنهن.

نموذجان أدبيان

على سبيل المثال، نجد روايات الكاتبة السورية لينا هويان الحسن تظهر فيها المرأة بدور تقليدي نمطي يسعى لإرضاء الرجل مصدر للمتعة والتسلية وخدمة السلطان، وهذا النمط من الكتابة لا يتحرك تاريخيا بل يجتر صورا تاريخية من حياة العرب في الماضي وسرديات ألف ليلة وليلة.

النوع الثاني من الكاتبات هن من يكتفين بطرق موضوعات نسوية كلاسيكية بحتة، مثل خلع الحجاب والتعليم والكتابة النسوية. وهذا النوع، برأيي، يسيء لموضوع المرأة لأنه يسطّح قضايا المرأة الأساسية، ولأنه يستهلك قضايا قديمة تمت المطالبة فيها بشكل مسبق مثل مطالبات هدى شعراوي وقاسم أمين بقضية الحجاب، ويبتعد  في الوقت ذاته عن القضايا الحيوية المهمة التي تحتاج الالتفات إليها بشكل حيوي ومعالجات ضرورية. وكأن قضية الحجاب أصبحت قضية سهل نقاشها لأنها طرحت كثيرا مما يعني توافر مراجعها الفكرية وسهولة البحث فيها، ولأن بها، أيضا، طاقة استفزازية لمتابعي السوشيال الميديا مما يجذب عددا أكبر من المتابعين المعارضين أو المؤيدين.

هناك نوع قليل واستثنائي جدا، الذي يركز على هوية المرأة ووعيها وقدرتها على بناء ذاتها معرفيا وإنسانيا، مثل رواية زهور كرام “غيثة تقطف القمر”، ورواية “فادية فقير “اسمي سلمى”.

المرأة المفكرة

هل نستطيع أن نصف واحدة بأنها مفكرة؟ وإن كان لا، فلماذا؟ وهل نستطيع أن نصف واحدا من الكتاب والأدباء والنقاد اليوم بأنه مفكر، غير الرواد المعروفين مثل: محمد عابد الجابري، علي حرب. نحن لدينا أصوات روائية ونقدية جيدة في مشروعها الإبداعي وتستفيد كثيرا من الطروحات الفلسفية الكونية، وجيدة في تطبيقها الفعال لها، ولكن هل لدينا مشروع مفكر روائي مختلف، وأضاف شيئا أصيلا للثقافة العربية، فالنقد الأدبي والأدب العربي في أحسنه هو تمثل جيد لطروحات الفكر العالمي والإنتاج العالمي، لذلك ستكون أبرز الأسماء الهامة في الأدب والنقد مدينة لطروحات فكرية عالمية، خصوصا في مجال النقد: خذ على سبيل المثال طروحات الناقد السعودي عبدالله الغذامي واسعة الصدى، كل الذي قامت به تطبيق ذكي لنظريات نقدية غربية في النقد المابعد حداثي والنقد الثقافي على قضايا عربية صرفة في الوطن العربي، فالغذامي مدين بشكل كبير للنظرية الغربية. وبنفس الوقت انظر للناقد البحريني نادر كاظم واستثماره العميق لطروحات إدوارد سعيد في الهوية والهجنة، ونظرية “ما بعد الاستعمار”، وغيرها، فنحن لدينا العديد من الأسماء التي فهمت النظريات الغربية واستطاعت أن تحوّلها معرفيا إلى القارئ العربي بقدر أقل من سوء الفهم ومن دون تضليل للقارئ العربي، وفي أفضل أحوالهم هو كما أسلفت تطبيق هذه المعارف الغربية على قضايا عربية من دون الإشارة للسياق الأكبر الذي تم استثمارها منه.

إذا كانت هناك نسبة كبيرة من المثقفين الرجال استفادوا من فرص تعليمية مبكرة في الغرب لا نستطيع وصفهم بالمفكرين، فكيف تريد منا أن نصف الكاتبات النساء اللاتي دخلن الثقافة والكتابة متأخرا بوصفهن مفكرات، ولا أعتقد أن ذلك وارد الآن. نحن كل ما نستطيع قوله هو أنه لدينا عدد من النساء الباحثات اللاتي طبقن الأسئلة المعرفية الغربية على النصوص العربية بجدارة، ولكنهن لم يحظين بمن يسلط الضوء عليهن مثلما تمّ تسليط الضوء على منجز الرجل بزخم كبير بسبب العلاقات الثقافية.

صورة

أهي ندرة

حقيقة، أنا لا أعتقد أنها ندرة في الكم، ولكنها ندرة في الظهور الإعلامي للمرأة ونتاجها الفكري، وهذا الاختفاء قد يكون للعوامل التالية: عدم القدرة على الظهور الإعلامي لظروف اجتماعية أو عزوف عن الظهور في وسائل التواصل الاجتماعي، أو لعدم كثافة الإنتاج الفكري بحيث تصبح تجربة نسائية معروفة بشكل لافت. فأمام وجود فرص الابتعاث الخارجي لدينا العديد من الأكاديميات اللاتي يكتفين بكتابة بحوثهن الأكاديمية للترقيات، والبعض  منهن للأسف ينظرن نظرة متعالية على الكتابة في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة.

من جانب آخر، المرأة بحاجة إلى تمكين من المجتمع نفسه، من الأسرة والقبيلة والزوج، لأن المجتمعات الخليجية على وجه الخصوص إلى الآن لازالت خاضعة تحت مضمرات تغييب صوت المرأة وصورة المرأة، وتتعامل بتناقض كبير مع موضوع المرأة فهي المرأة التي تأخذ حريتها تدريجيا وبشق الأنفس وبنفس الوقت نجدها المرأة المستلبة هويتها تعمل جاهدة لتحقيق ذاتها ولكننا بالنهاية نجدها تعمل لأجل متعة الرجل وتغطية حاجات أبنائها.

التعبير الأدبي

في ما يتعلق بالسؤال حول ما إذا كانت الكتابات الإبداعيّة النسائيّة تفوق “كما وكيفًا” الكتابات النقدية على الأقل، أجد نفسي أتّفق مع هذه الفرضية إلى حد كبير جدا، لدينا في الكويت عدد من المبدعات الكاتبات سردا وشعرا في مقابل عدد محدود من الأكاديميات الناقدات في جامعة الكويت وخارجها، مع وجود لحالات استثنائية نادرة لوجود ناقدات وأديبات مثل د. نجمة إدريس ود. فاطمة يوسف العلي.

الإبداع عملية حرة بإمكان البعض الاستسهال معها وإصدار المزيد من الأعمال، بينما العملية النقدية هي إبداع على إبداع، قراءة نصوص ووضع حكم نقدي عليها، مما يعني أنها تتطلب تمكنا ووقتا وجهدا مضاعفا.

ثنائية الرجل المرأة

بصدد انشغالات المرأة الناقدة واهتماماتها في السنوات الأخيرة؛ وما إذا كانت قد انحصرت في مسألة الصراع بين الرجل والمرأة أم تجاوزتها أعتقد أن الصراعات هذه موجودة بشكل أكبر عند الناشطات السياسيات والحقوقيات أكثر منها عند الكاتبات والناقدات الأدبيات، فنحن نشتغل على موضوع صراع المرأة والرجل في دراساتنا وكتاباتنا الأكاديمية واشتغالاتنا البحثية، ولا ندخل في صراع معلن مع الرجل. وأجد أن الغرس الثقافي العميق سيؤتي أكله أكثر من النبرة العالية في الخطاب.

من خلال الكثير من القراءات للكتابات النقدية نجد تنوعا في الخطاب النقدي لدى المرأة والرجل، فالنقاد العرب متنوعون إلى حد ما في مناهجهم النقدية، ولا يكتبون بشكل مكثف في منهج واحد، ما عدا الفئة التي اعتنقت الدراسات البنيوية والسيميائية وهذا تيار مهيمن على الغالبية نساء ورجالا، ولكن البعض الآخر يحب التنويع حسب ما تطرحه وتقدمه النصوص الأدبية نفسها، مما يعني عدم اعتناق طرح فكري معين، فنجد التنويع بين المسارات النقدية المتنوعة، وخير مثال على ذلك، الدكتور عبدالله إبراهيم والأستاذ وجيه يعقوب السيد، فنحن أمام توجهين توجه الكتابة في كل شيء من دون التحمس والالتزام بتوجه نقدي معين، أو الإخلاص والارتباط العميق بالمناهج النصية الداخلية. والناقدات حقيقة لا يختلفن بهذا الطرح عن عموم النقاد الرجال. فقلة هن النسويات المتحمسات للنسوية، وهذا على مجال الكتابة الإبداعية أو الدراسات النقدية. ومن الملاحظ أن التحمس للمنهج النقدي نجده فقط عند النقاد الغربيين، ونقول هذه ناقدة نسوية ماركسية، وهذا ناقد ماركسي، وآخر يشتغل في التحليل النفسي، ولكن ما يحدث في الوطن العربي هو توليفة عجيبة من المناهج، أو التصاق محدود بمنهج أو منهجين.

نقد التهميش

قضية تهميش النّساء على المستوى باتت أكثر فأكثر تشغل الكاتبات ذوات الميول النقدية من خلال الكتابة عن المرأة وقضيتها في الدراسات الأكاديمية والمؤتمرات أو في الصحافة أو في الملتقيات الإعلامية، وتناول أعمال أدبية انطلقت من موضوعات المرأة وتهميش المجتمع لها، أو النظرات الاجتماعية لها. وأيضا من خلال مراجعة خطاب المرأة الإبداعي ونقده وتحليل مضمراته الخفية وتبيان سلبية وهامشية نظرة المرأة للقضايا، أو تطبيع صور نمطية ثابتة عن المرأة وإعادة إنتاجها وتكرارها. وأنا شخصيا لا يمر مقرر دراسي لي إلا أقوم فيه بطرح سؤال المرأة وقضيتها بشكل موسع جدا، أحاول تفعيل النظرة الاجتماعية لموضوعات المرأة، وأتوقع وجود الكثير من الناقدات اللاتي يشرعن أبواب الأسئلة النقدية على وعي طلبتهم: طلبة لأني مؤمنة أن الرجل مسؤول بشكل كبير عن كثير من الممارسات الاجتماعية ضد المرأة، وطالبات يعشن الكثير من الاستلاب للتخلص من دور الضحية والاندماج مع الحياة.

نقد النقد

لدى السؤال عمّا إذا كان التناول النقدي للأعمال الأدبية على درجة من العمق بحيث يضع المشكلة في إطارها الأوسع المُتصل بأبعادها السياسية والثقافية أم أنه يبدو قاصرًا ومُقتصرًا على رصد الموضوع في إطار صراع يطلب التفوق والتسيُّد؟ برأيي أن الكثير من الدراسات النقدية لموضوعات المرأة هي دراسات وصفية تحليلية للمضامين الظاهرة ونادرا ما نجد تلك الدراسات العميقة التي تبحث في نقد صورة المرأة النمطية جدا في بعض الأعمال، فالجانب الوصفي الاحتفائي هو الغالب على هذه الدراسات. ومثلما ذكرت آنفا فالكثير من الكاتبات النساء يتبيّن صورة المرأة النمطية، أو يقمن بطرح الصورة المخالفة المعاكسة وهي تكون صورة دعائية ترويجية للعمل أكثر من أنه عمل فني يطرح قضية إنسانية. بطبيعة الحال نحن نحتاج هنا إلى دراسات “نقد النقد” لتناول التجارب النقدية النسائية.

ينشر المقال بالاتفاق مع الجديد الثقافية اللندنية

12