لا مقاومة للفساد في غياب الشفافية وحكم القانون

الثلاثاء 2017/07/11
تجذر الظاهرة وتحولها إلى عقلية راسخة

يذهب الكثير من الخبراء إلى أن أي محاولة حكومية في المجتمعات العربية لمقاومة الفساد بكل أنواعه محكوم عليها بالفشل مُقدما، في ظل بنية هذه المجتمعات القائمة حاليا، والتي تُعد بيئة خصبة لنمو الفساد وترعرعه، ويسوقون في هذا السياق من المبررات ما هو سياسي وقانوني وثقافي واقتصادي.

على المستوى السياسي، يشير هؤلاء إلى أن أي مقاومة ناجعة للفساد لا يمكن أن تحقق الهدف منها بمعزل عن إقامة ديمقراطية حقيقية، بينما ما نراه الآن هو ضعف في الممارسة الديمقراطية وغياب لحكم القانون واستهداف لمنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وهي الكيانات المنوط بها في المجتمعات الغربية ممارسة الرقابة، كما يشيرون أيضا إلى “شكلانية” أداء الأجهزة الرقابية السيادية بالمجتمع العربي.

ويتساءل هؤلاء هل الحكومات العربية جادة فعلا في سعيها لمكافحة آفة الفساد كما تعلن ليل نهار؟ إذا كان ذلك كذلك فلماذا النكوص والتلكؤ في سن تشريعات وقوانين ناجزة تتيح حرية تبادل المعلومات؟ ويقولون إن من البديهيات الثابتة أن الفساد إنما يكبر ويزدهر في ظل مناخ التكتم والحيطة والإخفاء وحجب المعلومات ومنع الجمهور العريض من الاطلاع على حقيقة أداء المؤسسات الحكومية المختلفة ونفقاتها وكيفية صناعتها القرارات.

الكثير من الحكومات العربية، ومنذ نجاح ثورات التحرر الوطني في خمسينات وستينات القرن الماضي، تؤمن بأنه “ليس كل ما يُعرف يُقال”، وبأنه “لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم”، وبأن ثمة من الأمور ما لا ينبغي للمواطن البسيط معرفته حفاظا على الأمن القومي للبلد، فكيف يمكن الحديث عن اجتثاث تام للفساد في مناخ كهذا؟

وعلى الصعيد القانوني يؤكد المتشائمون الرافضون لإمكانية نجاح معركة مكافحة الفساد أن جرائم الفساد بالمجتمعات العربية باتت أكبر من الملاحقات القضائية والقانونية، نظرا إلى ضبابية القوانين الراهنة وامتلائها بالثغرات التي ربما تكون مُتعمدة أحيانا، ويقولون إن بعض تلك القوانين مضت على إصدارها العشرات من السنين بما يفتح للفساد أبوابا عريضة للولوج منها.

الفساد تغلغل في الحياة العربية وأشب مخالبه في كل كبيرة وصغيرة حتى صارت مافيا الفساد أقوى من الدولة

ويلفت المشككون في جدية الحكومات إلى مثالب لا حصر لها في أنظمة العدالة بالدول العربية، منها عدم توفير الحماية للشهود والمبلغين عن حالات الفساد، وضعف أجهزة التحري لدى الشرطة، ناهيك عن السبب الأهم وهو استمرار تضارب المصالح بين العاملين بالوظيفة العامة عندما يعملون هم أنفسهم في القطاع الخاص، ما يسمح لأصحاب شركات هذا القطاع باستغلال واستحلال المال العام.

مصطلح الفساد، على الرغم من امتداده إلى كل مجالات الحياة العربية، إلا أنه ارتبط في ذهن المواطنين بالفساد الإداري في المصالح والهيئات الحكومية، أي فساد الموظفين وإدمانهم تلقي الرشوة وإهمالهم تخليص مصالح الجمهور، إلا لمن يدفع البقشيش أو الإكرامية حتى بات مصطلح “الأدراج المفتوحة للموظفين” أمرا يوميا في حياة المواطن.

المواطن معه الحق عندما يحصر الفساد في فساد الإدارة الحكومية كونه الفساد الذي يمس حياته اليومية بشكل مباشر، وعند الحديث عن هذا النوع من الفساد يمكن الإشارة إلى ما هو قائم حاليا من سوء استخدام الموظف العمومي للسلطة، وتعمده تعقيد الإجراءات الإدارية، والميل الدائم إلى الابتعاد عن استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة بحجة تعطل الكمبيوتر أو انقطاع الكهرباء.

ويضاف إلى ذلك عدم حرص الحكومات بشكل جدي على معاقبة الموظفين والمسؤولين الكبار بالدولة (إلا في ما ندر)، وكذلك ضعف الرقابة داخل المؤسسات الحكومية، وأيضا إصرار الحكومة على الإبقاء على مرتبات الموظفين في أسفل سلم الأجور بالمجتمع تحت ذريعة أن عددكم ضخم فمن أين سنأتي لكم بالمال، ما يدفع هؤلاء الموظفين إلى “مد اليد”.

الفساد تغوّل وتغلغل في الحياة العربية وأنشب مخالبه الشرسة في كل كبيرة وصغيرة حتى صارت مافيا الفساد أقوى من الدولة نفسها، فكيف إذن يمكن للحكومات والأنظمة مقاومته حتى لو توفرت لديها النوايا الحسنة وزعمت أنها أبدا لا تسعى “للشو الإعلامي” أو الدعاية الفارغة إرضاء للجمهور الغاضب؟

ولا ينسى البعض من هؤلاء المشككين في نوايا الحكومات التذكير بأن ثمة من العوامل الثقافية ما يجعل الفساد متجذرا في حياة الإنسان العربي، منها الأمية وجهل المواطنين بحقوقهم الأساسية.

12