لا مكاسب مصرية واضحة من قمة "التضامن" الخليجي

الإخوان يضعون شروطهم للمصالحة مع القاهرة.
الجمعة 2021/01/08
رؤية مصرية مختلفة

القاهرة - لم يبد المسؤولون المصريون أي حماس تجاه مخرجات قمة “التضامن” الخليجي التي عقدت، الثلاثاء، في محافظة العلا السعودية. ورغم أن حضور وزير الخارجية سامح شكري للقمة كان لافتا، إلا أنه لم يحمل إشارة قاطعة بأن القاهرة واثقة في النتائج التي خرجت بها هذه القمة في علاقتها بقطر والمطالب التي سبق للقاهرة أن قدمتها كمقابل لحضور وزير الخارجية.

يأتي هذا في الوقت الذي تحاول فيه جماعة الإخوان المسلمين استثمار المصالحة للمطالبة بإطلاق سراح قياداتها.

وأكدت ردود الفعل، التي استقتها “العرب” من مصادر مصرية متعددة، أن الثقة في قطر ضعيفة جدا، حيث تعمدت الدوحة تصوير نتائج القمة الخليجية على أنها انتصار سياسي ساحق لها بعد حوالي ثلاثة أعوام ونصف العام من المقاطعة العربية.

واعتبرت دوائر سياسية مصرية أن المصالحة منقوصة ولا تحقق الشروط المطلوبة لها وهي في غير صالح القاهرة، لأنها تبدو كمن يقدم تضحية مجانية، ناهيك عن أن المصالحة بالصيغة التي تروج لها قطر تعبر عن نصر سياسي لجماعة الإخوان.

ويشعر المصريون بأنهم خرجوا من “التطبيع” مع الدوحة دون مكاسب واضحة، خاصة أن الإعلام المصري سبق أن رفع سقف تلك المكاسب بشكل لا يسمح بأن تمر المصالحة مع قطر دون أن تكشف السلطات عن مقابل ذلك.

وأوحت قطر بأن زيارة وزير المالية علي العمادي للقاهرة، قبل أن تختتم القمة أعمالها، كأنها انعكاس فوري للمصالحة وتنفيذ لاستحقاقاتها تجاه مصر، في حين أن الزيارة لم تكن رسمية، وهدفها حضور افتتاح فندق لشركة الديار القطرية بالقاهرة.

واستخدم الخطاب المصري لغة دبلوماسية أكثر من اللازم كي لا تتهم القاهرة بأنها تعرقل المصالحة أو أنها تسببت في إفشال القمة الخليجية، وتقديرا للدولة المضيفة السعودية، والجهود الكويتية، لذلك لم تنجرف وراء التأييد الصريح أو الرفض المعلن، على أمل أن تتولى الرياض ضبط السلوك القطري إزاء احتضان جماعة الإخوان ورعاية التنظيمات المتطرفة، حسب وعود قوى إقليمية ودولية تلقتها القاهرة، لأن المعركة مع إيران لها أولوية في هذه المرحلة على مناكفات قطر.

وبدا التعامل الإعلامي في مصر مع قطر بعد القمة باردا إلى حد كبير، فقد توقف الهجوم المعتاد عليها، لكن ظلت الأصوات والكتابات حول نتائج القمة مسكونة بالمخاوف.

وتعمدت الدوحة، في المقابل، عدم تغيير منهجها الإعلامي عبر قناة الجزيرة، وأعادت القناة بث برامج عدائية تجاه مصر، منها فيلم وثائقي عن أزمة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي وجد مقتولا في القاهرة، محمّل بإيحاءات سياسية سلبية.

ويرسل استمرار الحملة القطرية على مصر مؤشرات واضحة على أن الدوحة لن تتخلى عن مواقفها السابقة، وبينها دعم جماعة الإخوان، وتعزز شكوك مصر فيها، وتجبر إعلامها على الخروج عن هدوئه، لتبرر الدوحة لنفسها استمرار القصف الإعلامي.

وتبدو مصر حريصة على المصالحة عموما، ومن مصلحتها تسكين جبهة قطر وجبهة تركيا ومن لف لفهما في هذه المرحلة، التي تتراكم فيها غيوم إقليمية لا أحد يعرف أين ستنزل أمطارها، فغالبية دول المنطقة منتبهة للقادم الجديد في البيت الأبيض، جو بايدن، وتنتظر استكشاف خطواته السياسية، وتعد مصر إحدى الدول المستهدفة من قبل إدارته، ومهم أن تكون حريصة على التهدئة دون أن تظهر كأنها قدمت تنازلات.

وتمس مسألة التنازلات وترا حساسا لدى النظام المصري، فهو يحاول أن يثبت قدرته على الصمود والمواجهة، وأن تغلبه على تحديات سابقة في وقت كانت فيه غالبية مؤسسات الدولة شبه منهارة، جعله يستطيع التفاخر بأن شوكته قوية، وغير مضطر إلى الدخول في مصالحة لا تتوافر لها الشروط الرئيسية للتحقق، وأن خبرة الأعوام الماضية مكنته من فهم قواعد اللعبة وإدارتها بالطريقة التي تريحه.

الاستدارة الأخيرة نحو طرابلس يكشف أن القاهرة لديها من المرونة ما يكفي للتعامل مع قوى إسلاموية، شريطة أن تلتزم بالضوابط المعلنة للدولة المصرية، وهو ما ينطبق على الحالة القطرية

وسعت جماعة الإخوان، المصنفة ككيان إرهابي في مصر، إلى استثمار لحظة “النصر” القطري في المطالبة بمصالحة مصرية – مصرية بين الجماعة والنظام، واضعة ستة شروط للحوار، أبرزها الإفراج عن المعتقلين من قيادات الجماعة.

ومن شأن هذا الظهور الإخواني أن يزيد من حدة ردود الفعل السلبية في مصر تجاه المصالحة ويضاعف الضغوط على النظام من أجل الإفصاح عن موقفه والكشف عما يمتلكه من معطيات بشأن مكاسب مصر من هذه المصالحة.

وسبق أن حقق النظام المصري انتصارات على جماعة الإخوان في السنوات الماضية، بدءا من تجفيف جزء كبير من منابعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصولا إلى تقويض الخلايا الأمنية النائمة، لكن المصالحة مع قطر دون توافر شروطها الأساسية تعني نكسة للتوجه المصري، وفرصة أمام التنظيمات المتطرفة لالتقاط أنفاسها مرة أخرى، ليعود مسلسل الاستنزاف إلى الواجهة.

ومن يريد فهم السياسة المصرية عليه الإمعان في مراجعة الأدوات التي تستخدمها مع الفصائل الفلسطينية وفي الأزمة الليبية، أو غيرهما. لكن هذين الملفين يكشفان بدرجة كبيرة النظرة البراغماتية، فالقاهرة تقبل التعامل مع حركة حماس الإخوانية، طالما التزمت بضوابط الأمن القومي المصري، وعندما تختل هذه المعادلة يتم التعاطي معها برؤية أخرى، لكنها لا تصل إلى حد المواجهة المباشرة والحاسمة.

كما تكشف الاستدارة الأخيرة نحو طرابلس وحكومة الوفاق وقوى متباينة في الغرب الليبي، بينها عناصر في المجلس الأعلى للدولة الذي يقوده الإخواني خالد المشري، أن القاهرة لديها من المرونة ما يكفي للتعامل مع قوى إسلاموية، شريطة أن تلتزم بالضوابط المعلنة للدولة المصرية، وهو ما ينطبق على الحالة القطرية.

وإذا راعت الدوحة قضايا الأمن القومي بمفهومه الشامل يمكن الحديث عن مصالحة، غير أن ما رشح حتى الآن لا يدعم هذه القاعدة، وهي التي جعلت القاهرة أشد حذرا تجاه الدوحة، بانتظار أن تثبت تخليها عن تجاوز الخطوط الحمراء، ليس فقط مع الإخوان والتنظيمات المتطرفة، بل في الفضاء الإقليمي، حيث لم تتوقف الدوحة عن مناكفة القاهرة في ليبيا والسودان والصومال وجنوب السودان وإثيوبيا.

وتبدو الرؤية المصرية حيال قطر مختلفة عن نظيرتها السعودية، والخليجية أيضا، ولن تحل القضية من خلال قرار فوقي أو وساطة إقليمية ودولية عابرة لها أهدافها السياسية المعينة، فمن الواجب أن تكون هناك حوارات ومفاوضات مباشرة، فالقضية بعيدة وعميقة، ولن يتم حلها بإعلان فضفاض، يجد فيه كل طرف ما يريد ترويجه.

ويتمتع النظام المصري بمروحة سياسية واسعة، تجعله يقبل تمديد جسور الحوار مع جهات يبغضها أحيانا لتكون تحت عينيه، شريطة المحافظة على عدم المساس بالأمن القومي، وهي الزاوية المكلفة للنظام القطري، الذي لن يستطيع مزاولة هواياته وتكتيكاته وتحقيق أهدافه دون الجور على أمن الدول الأخرى، وهي الثغرة التي تجعل من المصالحة مع قطر عصية على الوصول إليها مع مصر أو غيرها.

اقرأ أيضاً: إخوان الخليج يريدون حصّتهم من مصالحة قطر مع السعودية

1