لا مكان لرؤى تفريقية للمجتمع وخطاب يهدد الهوية الوطنية

يرصد مصطفى زهران الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية تجربة السلفيين في تونس ومصر في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، محمّلا هذا التيار جزءا من مسؤولية المشاكل المجتمعية التي واجهها البلدان في تلك المرحلة الانتقالية التي شهدت صعود خطابات تضرب الهوية الوطنية وتدفع نحو التفرقة عوض التهدئة، الأمر الذي عاد بالسّلب على الأحزاب السّلفية التي تمارس العمل السياسي. وإذا ما أرادت هذه الأحزاب أن تؤدّي دورا فاعلا وأن تحافظ على مستوى معيّن من التأثير على العملية السياسية، تحتاج إلى إيجاد توازن صحيّ بين هياكلها السياسية والدينية، وتقديم رؤية سياسية أكثر شمولا.
الأحد 2016/04/10
أحزاب سلفية تدفع نحو التفرقة عوض التهدئة

القاهرة – منذ ظهورها على سطح الأحداث السياسية عقب ثورات الربيع العربي، قدّمت الحركة السلفية في كل من مصر وتونس نموذجا لما يجب على أيّ حركة سياسية واعية أن تتجنبه؛ وقد نسبت دراسة جديدة لهذا التيار جانبا معتبرا من المسؤولية عن زلزلة الهوية الوطنية والانتقاص من مفهوم الدولة الجامعة في البلدين.

ويقول مصطفى زهران، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، إن السلفية بنسختيها، التونسية والمصرية، قدمت تصورا هشا للقضايا السياسية والمجتمعية والدينية، من حيث الخطاب والممارسة التي تراوحت بين الإقصاء والنفور. وشكّل هذا الخطاب عائقا أمام التئام اللحمة الوطنية التي كان يراد لها أن تتقارب خلال تلك الفترة الحرجة.

في المشهد التونسي، لم يكن هناك تواجد حقيقي للسلفيين نظرا لعلمانية النظام المتجذرة منذ عقود، بخلاف الحالة المصرية حيث كان السلفيون يتفاعلون مع محيطهم ويتمتعون بحرية في الحركة الاجتماعية. مع ذلك دفعت تطورات ما بعد الربيع العربي بكمّ كبير من التغيرات والتحولات إلى بروز إشكاليات على مستوى الخطاب والممارسة.

ولم تستفد تجربة الإسلام السياسي كثيرا في كل من مصر وتونس، فقد حاول أنصارها الاستفادة من السلفيين، لكنهم فشلوا في تهذيب الممارسات السياسية والمجتمعية للتيارات السلفية، واحتضنوهم دون الحذر ومراعاة للتنوع والاختلافات داخل عباءة هذا التيار.

كيانات مصرية

في مصر، أفسحت جماعة الإخوان المسلمين (عند صعودها للسلطة) مساحات كبيرة للسلفيين في العمل السياسي والمجتمعي، لكن، ظهرت بعض الحملات التي بدت مصطنعة، وظهر خطاب إعلامي مواز تبنّى أصحابه تطبيق الشريعة وفرض الجزية، وتمادى آخرون للمطالبة بهدم الآثار المصرية القديمة بدعوى أنها أصنام، وهو ما عكس مشهدا دراماتيكيا للعالم.

في المشهد التونسي، لم يكن هناك تواجد حقيقي للسلفيين نظرا لعلمانية النظام المتجذرة منذ عقود، بخلاف الحالة المصرية حيث كان أنصار التيار السلفي يتفاعلون بحرية مع محيطهم

في رصده للحالة المصرية، رأى زهران أنها تعيش حالة من الاغتراب السياسي والمجتمعي بعد أن فشلت تجربتها السياسية خلال الأعوام الماضية، فالسلفية الحزبية راهنت على أكثر من متغيّر، أولها ثورة 25 يناير 2011، ثم ثورة 30 يونيو 2013، حيث بدت متوائمة في وقت ما مع الإخوان المسلمين، خلال حكمهم، ثم شاركت مع القوى المعارضة لهم في إزاحتهم من الحكم؛ لكن لم تفلح ممارساتها في إعادة تموضعها في الداخل المصري؛ ولم يترجم خطابها مساحات التكيّف مع المتغيرات المجتمعية والسياسية.

التغيرات المتلاحقة، على المشهد السلفي عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي، وما تلاه من انعكاسات على التيار ذاته والمشهدين السياسي والمجتمعي في مصر استوجبت مراجعة شاملة له من خارجه وداخله في آن واحد. وهذه المراجعة فرضتها عدة أمور، منها القدرة الفائقة التي أظهرها التيار على التحول وفق ما تقتضيه الحاجة، وما تمليه متغيرات المشهد الداخلي، التي تمثلت في تعدد ولاءاته وانحيازاته. وكان من اللافت كذلك قدرة التيار على إنتاج تبريراته التي يضفي عليها البعض نوعا من القداسة، مستدعيا أدبياته الفقهية، فضلا عن بروز تأثيرات فكرية خارجية تجلت بشكل كبير في ممارسته السياسية.

يقول زهران إن جملة مؤثرات أدت للشرخ القائم في الجسد السلفي المصري، بعد أن كان يبدو حتى وقت قريب متماسكا إلى حدّ ما، وكانت النتيجة انقسامه إلى ثلاثة كيانات:

الأول دعم السلطة التي خلفت حكم الإخوان، الأمر الذي ساهم في تدشين خارطة الطريق، وأصبح هذا الجناح (ممثلا في حزب النور السلفي) شريكا رئيسيا لها.

الثاني التحق بما يسمى تحالف دعم الشرعية، الذي واصل دعم الإخوان، وأحقيّة محمد مرسي في العودة إلى الحكم.

الثالث اندفع نحو الحالة الراديكالية الجديدة التي اشتد عودها وأعلنت عن نفسها عقب فض اعتصامي الإخوان وحلفائهم في ميداني رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، وانتهج جزء منهم العنف ضد مؤسسات الدولة.

المشهد السلفي في مصر يستوجب مراجعة شاملة

عزلة اختيارية

في تونس، لم يكن الموقف مختلفا في الجوهر، وإن كان صادما بدرجة أكبر في التفاصيل، حيث أعلن أنصار الشريعة “الجهاد” في الأقاليم الجنوبية التونسية، ما ضاعف حجم القلق في مدن المنطقة خصوصا القيروان، التي تعرف بأنها منارة الاعتدال لكن، تفاجأ التونسيون والعالم بأنها أضحت معقلا من معاقل السلفية، بل إن أنصار الشريعة اتخذوها وجهة لأول ظهور وتحدّ علنيّ لهم. وأدى التطور المتسارع في تونس إلى تحول في الموقف المجتمعي من التيار السلفي والإسلامي بشكل عام، وألصقت تهم دعم الإرهاب بحركة النهضة الإسلامية، بسبب تعاطفها مع السلفيين تارة وصمتها عليهم تارة أخرى.

الخطاب السلفي التونسي اعتمد، في رأي زهران، على إبراز ضرورة العودة بالمجتمع إلى الدين على فهم السلف الصالح، وظهرت معالمه في التركيز على الشكل أو المفردات المستعملة عند الخطباء المنتمين لهذا التيار. كما عبّر الخطاب عن رؤية عنيفة للمجتمع، تفتقد القدرة الفكرية والثقافية على تحقيق تواصل مقبول معه، واكتفت بجعل أتباعها شخصيات تميل إلى التلقي ولا تحسن التفكير.

أوضح زهران أن أشخاصا يحملون مثل هذه العقلية، يسهل إقناعهم بانتهاج العنف ضد من يخالفهم، ومن الطبيعي أن يقوموا بتأويل النصوص الدينية والأثر الفقهي بما يتناسب مع قدراتهم الفكرية.

وفقا لهذا التحليل من الطبيعي أن تصبح اليد أداة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، في ظل افتقاد القدرة على الحوار، كما أن الآخر كان في خطابهم الديني “فاسق أو علماني”، وكلاهما خارج عن الملّة، من ثم فالحوار معه محرّم في حد ذاته.

لا يعكس الخطاب السلفي التونسي تيارا واحدا وإنما جماعات متنافرة في غالبيتها، وهو خطاب يركّز على أن تونس وصلت إلى “مرحلة الهاوية الأخلاقية، ولا بد لها من عودتها إلى أصول الدين ومبادئه”. وأنواع الجماعات السلفية في تونس، حددها زهران في: السلفية الجهادية التي تنتهج فكر التكفير، خاصة ضد الأنظمة الحاكمة، والاستعداد للعمل المسلح والتعبئة الجهادية ودعم الجماعات المسلحة، وعلى رأسها القاعدة. وهناك السلفية التقليدية أو العلمية التي تأخذ نسقا يركز على العقيدة والسنة، إلا أنها ظلت حبيسة الدائرة الملتفة حولها من الصراعات القائمة حول بعض المسائل الخلافية كموضوع النقاب واللحية.

ما زاد الأمر تعقيدا أن مشكلة السلفية الجهادية في تونس تمحورت في عدم الوضوح أوّلا، ثم سقوط كل تطميناتها الخطابية للمجتمع خلال المواجهات الأمنية المتكررة والغدر بمجموعة من قوات الجيش الوطني والأمن الداخلي.

كما أن مقاومة هذا التيار للهيكلة ضمن الأطر القانونية شككت في النوايا الحقيقية لهذه المجموعات، وتحولت الشكوك إلى نفور بعد تهديد إطار العيش المشترك بين التونسيين بفعل مواقف أنصار الشريعة، خاصة التي تستهدف السلم الأهلي.

ختم مصطفة زهران حديثه عن السلفية بالتأكيد على أنها عادت إلى المربع صفر، وهو منها ما يتطلب المزيد من مراجعة الذات وقبول الآخر، فضلا عن إحداث زلزلة فكرية تقضي على عزلتها الاختيارية. وليس هناك من حلّ أمام القوى السلفية الحزبية مجتمعة في كل من مصر وتونس سوى تبنّي خطاب أكثر توافقية، وإعادة النظر في اندماجها المجتمعي والارتقاء بخطابها.

4