لا مكان للرقمنة في عالم يغرق في الفقر والأمية

قضية الرقمنة تبقى بمثابة تحد دقيق بالنسبة للمنطقة العربية، إذا لم يتم انتشال الفئات الفقيرة وإغاثتهم والاستجابة لمطالبهم المعيشية البسيطة، من دائرة الفقر.
الأربعاء 2019/09/25
القضاء على الفقر قبل الرقمنة

يعد الفقر والأمية من التحديات الكبيرة التي تعرقل طريق الرقمنة في العالم العربي، نتيجة عبء التحول الرقمي على فئات عديدة خاصة على الفقراء، إلى جانب غياب الثقافة المالية وعدم الجاهزية لتقبل الواقع الرقمي الجديد، حيث لا تبدي غالبية المجتمعات العربية ثقة كافية في عملية الرقمنة، أمام تواصل حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي وصعوبة تحقيق إصلاحات حقيقية.

القاهرة- لا ينكر أحد أن رقمنة جميع مناحي الحياة اليومية ومعاملاتها، تزيد حالة الرفاهية لدى مختلف الشعوب، غير أن الوضع يبدو مختلفا  في عالمنا العربي، حيث تعد معضلتا الفقر والأمية في المنطقة من المصدات التي تقف حائلا أمام التوجه نحو تعميق أسلوب الرقمنة، وباتتا تشكلان تحديا بل بمثابة عبء ثقيل خاصة على الطبقة الفقيرة، بما يفوق عوائدها المادية والحضارية.

المفهوم المبسط لرقمنة الحياة، تسهيل كافة المعاملات والحصول على جميع الخدمات التي يحتاجها المواطن من خلال الحاسب الشخصي أو الهاتف الخلوي، دون أن يتكبد عناء الذهاب إلى المصالح الحكومية أو غيرها وهو جالس في منزله.

وتدرك قطاعات عريضة أهمية الرقمنة في حياة المواطنين لدرء أخطار كثيرة، منها حمل الأموال في حقائب قد تعرضهم لسرقتها، واختصار زمن إنهاء المصالح التي قد يقف التكدس المروري في الشوارع حائلا دون أدائها، أو بعد المصالح مئات الكيلومترات عن المسكن.

وكشف البنك الدولي عن بيانات تنذر بتعثر خطط الرقمنة في المنطقة العربية، وأظهر تقرير “الفقر والرخاء” أن نسبة الفقر في المنطقة العربية تصل إلى نحو 42.5 بالمئة لمن يقل دخلهم عن 5.5 دولار في اليوم. وأفاد تقرير لجهاز الإحصاء المصري بأن نسبة الأمية في المنطقة العربية تصل إلى نحو 21 بالمئة، وترتفع في مصر لتصل إلى 25.8 بالمئة، ما يزيد من تحديات التحول الرقمي.

مقابل ذلك، قطعت دول الخليج العربي شوطا كبيرا في التحول الرقمي، وتجربة الإمارات تعد نموذجا لافتا، لكن الصعوبات تحيط بدول المنطقة التي تريد اللحاق بعصر التحول الرقمي، بعيدا عن إشكالية الاحتواء الاجتماعي للفئات التي تعاني العوز والأمية في آن واحد.

عبء تعميم الرقمنة

يضيف الجانب الديني بعدا جديدا في عمليات التحول الرقمي ويحتاج أن تحسم القاهرة الجدل الدائر في مختلف أوساط المجتمع، وتحديدا وسط الطبقات الفقيرة حول تحريم التعامل مع البنوك وفوائد القروض والودائع
يضيف الجانب الديني بعدا جديدا في عمليات التحول الرقمي ويحتاج أن تحسم القاهرة الجدل الدائر في مختلف أوساط المجتمع، وتحديدا وسط الطبقات الفقيرة حول تحريم التعامل مع البنوك وفوائد القروض والودائع

بين اتحاد المصارف العربية أن تعاملات 38 بالمئة من البالغين في العالم تتم خارج الأنظمة المصرفية، وهم يمثلون الأغلبية في دول جنوب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتعتبر تلك المناطق الأقل في التوعية بمفهوم التحول الرقمي على مستوى العالم، إلى جانب ارتفاع معدلات الفقر وعدم القدرة على التعامل مع المصارف، بسبب ارتفاع التكاليف المصرفية وبعد المسافات بين السكن وفروع البنوك، علاوة على المطالب المرهقة في معظم الأحوال لفتح حساب مالي.

ورصدت مصر العام الحالي نحو نصف مليار دولار للإسراع في تعميم الرقمنة في جميع أرجاء البلاد، وبدت الحكومة مصممة على عدم التهاون في تطبيقها. وقالت أم محمد علي، ربة منزل من مدينة أسيوط في جنوب مصر، إنها ذهبت لدفع مصروفات المدرسة الحكومية لطفلها، وفوجئت بتعليمات تلزمها بدفع المصروفات في البنك، ورفضت إدارة المدرسة قبول الدفع النقدي. وأوضحت  لـ”العرب”، “لا يوجد بنك في القرية التي أقطن فيها، وكان علي الذهاب إلى المدينة لدفع المصروفات، وتحملت صعوبة المواصلات التي كلفتني 17 جنيها، (تزيد قليلا عن دولار واحد) من أجل دفع 150 جنيها، بما يعادل تسعة دولارات”.

ويعاني ريف مصر من ضعف شديد في انتشار المصارف، الأمر الذي يكبد القاطنين أعباء التحول الرقمي، دون النظر في وضع حلول تخفف من وطأة الرقمنة على الفقراء.

وفي ما يخص التعليم، لم يقع طرح ماكينات الدفع عن بعد في المدارس أو وضع حدود دنيا للدفع النقدي، لأن مصروفات المدارس الحكومية زهيدة جدا، ويقبل عليها البسطاء لصعوبة إلحاق الأبناء في مدارس تعليم الأغنياء الموازي.

وبالنسبة للإجراءات الاجتماعية، يستفيد معظم فقراء الريف والصعيد المصري بمعاش تكافل وكرامة التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، ويصرف من خلال بطاقات ذكية، وإذا ما سُمح بقبول المدفوعات من خلالها سيتم حل جزء كبير من المشكلة.

ويصل عدد ماكينات الدفع عن بعد في مصر نحو 77479 ماكينة ولا يمكن أن يكفي هذا العدد لتغطية جميع نقاط الدفع في البلد، رغم أنها ليست مكلفة، ويبدو بذلك قرار التحول الرقمي متسرعا، ودون استعداد جيد.

وتقوم سياسة نشر هذه المكينات بالتركيز على المناطق ذات الكثافة العالية، لتحقق اقتصاديات تشغيلها، ويتم إهمال المناطق النائية لتتحمل تكلفة الرقمنة المنقوصة، التي فاقمت المشكلات بدلا من التيسير على المواطنين. وأدى عدم الاستعداد التام لتعميم الرقمنة وعدم إتاحة وسائل متعددة للدفع، إلى تعقيد الأمور في مجال جديد ومختلف، وبناء حائط نفسي بين الرقمنة وأولياء أمور الطلاب.

رغم أن مصر أصدرت حوالي مليوني بطاقة “ميزة”، وهي بطاقة مخصصة للمدفوعات الإلكترونية لمن لا يمتلك حسابات بالبنوك كي يتمكن من الدفع الإلكتروني، إلا أن عدد ماكينات الصراف الآلي لشحن البطاقات بالنقود يصل إلى 12.2 ألف ماكينة ومن الصعب أن يغطي هذا العدد جميع أرجاء البلاد.

ولا تزال الكثافة المصرفية في مصر عالية جدا نتيجة ضعف عدد فروع المصارف الذي يصل إلى نحو 4251 فرعا مقسمة على بلد مساحته مليون كيلومتر مربع.

سد الثغرات

محمد صبري: نحاول منذ 18 عاما تطبيق الرقمنة على قطاع المشروعات الصغيرة، لكننا فشلنا إلى الآن في الوصول إلى هذا الهدف
محمد صبري: نحاول منذ 18 عاما تطبيق الرقمنة على قطاع المشروعات الصغيرة، لكننا فشلنا إلى الآن في الوصول إلى هذا الهدف

تصل الكثافة المصرفية إلى نحو 23500 مواطن لكل فرع بنك، وهو مؤشر يؤكد أن مصر بحاجة ماسة إلى فروع جديدة للبنوك بمختلف المحافظات لتقليل طوابير الانتظار، ويعادل هذا الرقم الحد الأدنى للكثافة المصرفية في الوطن العربي وتصل إلى نحو 0.4 فرع لكل عشرة آلاف مواطن.

وما يزيد الموقف صعوبة وتحديا تجربة صرف رواتب الموظفين من خلال بطاقات ذكية، وقد تم تعميمها على جميع الهيئات في مصر قبل عام ونصف العام، غير أن هذه التجربة لم تحظ بثقة كافية، بعد أن انتقلت صفوف صرف المرتبات إلى الشوارع.

ويمكن لأي مواطن مشاهدة ذلك الوضع المأسوي بعد يوم 26 من كل شهر، حيث تلاحظ مشاهد انتظار طويلة للموظفين لسحب المرتب دفعة واحدة من ماكينات الصراف الآلي، رغم أنه من الممكن استخدام البطاقة في شراء كل المستلزمات بدلا من حمل النقود.

ورغم كل هذه الصعوبات، إلا أن تطبيق الرقمنة ليس مستحيلا، لكنه يحتاج سنوات لنشر الثقافة المالية الغائبة، وتدريسها في المدارس، بجانب دور كبير يقع على عاتق البنوك لتعميق هذه الثقافة.

ويرى حسن الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، أنه من الضروري أن تراعي الدولة إمكانات الفقراء وتيسر عليهم، ليتقبلوا رقمنة المعاملات. ولفت لـ”العرب” إلى أنه ليس من المنطقي أن يقع تحميلهم تكلفة إضافية، في حين أن الهدف من الرقمنة تخفيض تكلفة الخدمة. ويتضح أن الوضع الحالي يعكس رغبة الحكومة المصرية في الظهور أمام العالم بأنها على طريق التحول الرقمي ومواكبة للتحولات التكنولوجية الهائلة، بغض النظر عن معاناة الفقراء والتحديات المادية التي تواجههم، بجانب انتشار الأمية الهجائية والتكنولوجية.

ويدفع الفقراء تكلفة مضاعفة الرقمنة، حيث تتطلب أن يكون في كل بيت جهاز كمبيوتر آلي أو هاتف ذكي، بجانب استخدام الإنترنت، والوعي بمتطلبات التكنولوجيا، وكلها تضيف أعباء جديدة على ميزانية المواطنين.

وكان من الأفضل أن يقع تدشين مراكز تكنولوجية صغيرة في كل قرية تمكن الأفراد من إنهاء معاملاتهم من خلالها، وطلب جميع الخدمات إلكترونيا، فضلا عن دورها في نشر ثقافة التحول الرقمي وتأهيل المجتمع لتقبل فكرة التعامل ببطاقات الدفع الذكية بدلا من حمل الأموال، وبالتالي تخطي واحدة من العقبات التي تمس قطاعا كبيرا من المواطنين.

ويقر خبراء بصعوبة أن يضمن التحول الرقمي وحده حياة كريمة للمواطن، لأن الرقمنة تنهي جزءا من المعاناة مع البيروقراطية، وقد تمكن من تتبع حركة الأموال وضم الاقتصاد الموازي إلى المنظومة الرسمية، بما يزيد من الحصيلة الضريبية للبلاد وتحسين جودة الخدمات للمواطن.

ويمتلك 17 مليون مواطن حسابات مصرفية في بلد تعداده 99 مليون نسمة، وهي تقريبا ذات النسبة عربيا، وتصل نسبة من لديهم حسابات بالبنوك في المنطقة العربية إلى نحو 18 بالمئة، مقارنة بنحو 43 بالمئة في الدول النامية.

نسبة الأمية في المنطقة العربية تصل إلى نحو 21 بالمئة، وترتفع في مصر لتصل إلى 25.8 بالمئة، ما يزيد من تحديات التحول الرقمي
نسبة الأمية في المنطقة العربية تصل إلى نحو 21 بالمئة، وترتفع في مصر لتصل إلى 25.8 بالمئة، ما يزيد من تحديات التحول الرقمي

ولفت محمد صبري، رئيس جمعية رجال أعمال إسكندرية، إلى أنهم يحاولون منذ 18 عاما تطبيق الرقمنة على قطاع المشروعات الصغيرة، لكنهم فشلوا في الوصول إلى هذا الهدف.

وضمن أنشطة الجمعية إقراض أصحاب المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، ولديها نصف مليون عميل حتى الآن. وأوضح لـ”العرب” أن “الملياردير المصري نجيب ساويرس تقدم بمشروع بالتعاون مع الجمعية، استهدف تمكين أصحاب القروض الصغيرة من تحويل الأموال عبر الهاتف الخليوي، إلا أن البنك المركزي رفض الفكرة في حينه”.

وتستلزم الرقمنة الكاملة تهيئة البيئة من جميع النواحي، بشريا وماليا وتكنولوجيا، لضمان نجاح تلك العملية، وإلا سيكون التحول الرقمي عائقا لا يختلف عن البيروقراطية والروتين الذي يعاني منه المجتمع حاليا.

ويضيف الجانب الديني بعدا جديدا في عمليات التحول الرقمي ويحتاج أن تحسم القاهرة الجدل الدائر في مختلف أوساط المجتمع، وتحديدا وسط الطبقات الفقيرة حول تحريم التعامل مع البنوك وفوائد القروض والودائع.

ويحتاج ذلك إلى تشكيل لجنة من الأزهر تعلن بشكل صريح فتوى التعامل، حتى لا يتم استغلال هذا الجدل في إبعاد تعاملات الطبقات المستهدفة بالتحول الرقمي عن النظام المصرفي.

وتبقى قضية الرقمنة بمثابة تحد عميق ودقيق بالنسبة للمنطقة العربية، إذا لم يتم انتشال الفئات الفقيرة وإغاثتهم والاستجابة لمطالبهم المعيشية البسيطة، والتي تصل إلى حوالي ثلث الشعب، من دائرة الفقر، فضلا عن ابتكار وسائل متعددة وتأهيل بنية الاتصالات والبنوك لتغطي جميع أرجاء المدن، خاصة المناطق المعروف بأنها منسية ومهمشة في الأرياف، وإلا سوف تتوطن الرقمنة في المناطق الحضرية وتصبح وبالا على الفقراء.

Thumbnail
12