لا مكان للسرد الحكائي العربي على خارطة اللغات الأوروبية

الأربعاء 2014/01/15
السرد العجائبي جذب المترجم الغربي لتأثرة بالصورة الغرائبية

الكويت - بدأت التفاتة الترجمة الغربية للأدب العربي المعاصر كتيار ثقافي في القرن التاسع عشر، ومع الأنكليزية كانت هناك ترجمات إلى اللغات الأسبانية والبرتغالية مصاحبة للحضور العربي في المهجر، وخاصة من بلاد الشام، إلى العالم الجديد، بين الولايات المتحدة شمالا، والدول اللاتينية جنوبا.

يمكن تأريخ أولى ترجمات «الحكاية السردية» العربية بأواخر القرن الثالث عشر حين تُرجمت قصة حي بن يقظان عام 1280، التي تتالى ظهور ترجمات لها بالأنكليزية والهولندية، حتى أن الشاعر الألماني جوته أثار ما رآه من علاقة بين حي بن يقظان ورواية دانييل ديفو المبكرة «روبنسون كروزو».


سحر الغرائبية


مرت مراحل ترجمة السرد الحكائي العربي بعدة مراحل، كان أولها تاريخيا انتقائيا، فقد جذب العجائبي والغرائبي المترجم الغربي، ما جعل أشهر ما ترجم في الماضي هو حكايات ألف ليلة وليلة ذات التوالدية القصصية المتسلسلة، ولتظل القصص الأشهر التي ترجمت من التراث العربي بعد أن نقلت إلى الفرنسية بترجمة غالان في القرن السابع عشر، واتخذت هذه الترجمة ذاتها مصدرا للترجمة إلى الأنكليزية عام 1712، و الإيطالية عام 1732، وما تلاها من لغات أخرى.

ويبدو أن الاختيارات التي وقعت عليها عيون المترجمين تأثرت بالصورة الغرائبية لتلك الحالات المبكرة التي ظهر عليها الشرقي والشرقية في الليالي العربية الاسم المرادف لألف ليلة وليلة في الغرب، فكان أن استهدفت الكتابات التي تقدم صورة حسية لشرق محافظ، يكسر فيها الكتاب تابوهات المجتمع، فتُنتقد التعاليم الإسلامية المقيدة لوضع المرأة، وتُهاجم النظم السياسية الديكتاتورية، وتُفضح الحالات المسكوت عنها من شذوذ النخبة والعوام على حدّ سواء.

نحكي عن فترة تقترب من ستة عقود لبدايات ترجمة الرواية العربية، حتى اليوم، دشنتها ترجمات فرنسية لأعمال توفيق الحكيم ومحمود تيمور وطه حسين، ثم ترجمت رواية ليلى بعلبكي «أنا أحيا» سنة ١٩٦٢، وبعدها بخمس سنوات أصدرت دار نشر «سوي» في باريس مختارات قصصية وروائية عربية، وفي عام 1972 شكل تأسيس دار النشر «سندباد» المدعومة من الجزائر وبعض الجمعيات العربية علامة فارقة، فقد أصدرت «سندباد» روايات لنجيب محفوظ ويوسف إدريس والطيب صالح وفؤاد التكرلي وحنا مينة وعبدالرحمن منيف وغسان كنفاني وجمال الغيطاني وإدوار الخراط والطاهر وطار وسواهم.. وفي عام 1995 اشترت دار «آكت سود» دار «سندباد» بعد توقف المساندة الجزائرية للأخيرة، وبدأت ترجمات أحدث بالظهور، خاصة للروائيات العربيات. «وقد أثير على صفحات جرائد مصرية الكثير عن أن هذه الترجمات لا تجد القارئ الذي يجعل منها سلسلة ربحية».


استدعاء ثقافة الشرق


في اللغة الألمانية لا يزيد عمر حضور السرد الروائي العربي المترجم عن ثلاثة عقود، ففي عام 1982 قدمت دار “يونيون” للنشر برنامجها “حوار مع العالم الثالث” حين اختارت الترجمة لكتّاب من أربعين دولة، فاختارت من العربية “يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم، وفي 1983 ترجمت «مذكرات امرأة غير واقعية» لسحر خليفة، كما ترجم في السنة نفسها المستشرق الالماني هارتموت فاندريش لصالح دار النشر الالمانية «لينوس» بعض أعمال غسان كنفاني، واهتمت الدار نفسها بالترجمة للأدب العربي بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، وتوّج ذلك باختيار العالم العربي في العام 2004 ضيف شرف معرض فرانكفورت للكتاب، وتدفقت ترجمات عربية عبر «لينوس» ودور أخرى. ومثلما كان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الآداب نقطة تحول ليتجه المترجم الألماني إليه، كذلك فعل المترجمون الأسبان معه، ومع الإبداع العربي، كجزء من استدعاء ثقافة البلاد الأندلسية، وتجاوز عدد الكتب المترجمة في نحو ربع القرن 200 كتاب.

في العام الماضي زارت المستعربة الإيطالية وأستاذة اللغة العربية الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو، دولة الكويت، ضيفة لملتقى مجلة «العربي» حول الثقافة العربية في المهجر، وعرفنا من سيرتها كيف ساهمت هي بشكل كبير ولأكثر من عقدين في ترجمة الأدب العربى المعاصر، حيث نقلت للغتها الأم أعمالا لغسان كنفاني وحنان الشيخ وهدى بركات وغادة السمان وغيرهم..

لا نزال مع كلمة السر؛ نجيب محفوظ، ولكن هذه المرة في القاهرة، حيث ساهم دينيس جونسون ديفيز بريادته لترجمة الأدب العربي «يكفي قراءة كتاب كامل يوسف حسين عنه لنرى ثراء تجربته» وقد نقل أعمال أغلب روائيي العرب وعلى رأسهم: نجيب محفوظ.

في القاهرة، وفي حوار متلفز مع الراحل مارك لينز الذي كان له فعل السحر حين تولى رئاسة قسم النشر بالجامعة في القاهرة، حكى كيف قدّم الرواية العربية المعاصرة للقارئ بالأنكليزية، ولغات أخرى عبر هذه الترجمة الأم. ولكنه اعترف لي أنه بين نجيب محفوظ وعمارة يعقوبيان، لعلاء الأسواني، ظلت بقية الأعمال قابعة في قاع قائمة التوزيع، لكن هاتين الطفرتين، جعلتا مشروع الترجمة مستمرا وهو الآن لا يقدّم الروائيين الكبار.

هذا التاريخ الموجز للترجمة، وحضوره الذي لا يعدو كونه قائما على محاولات فردية، ومؤسسات متناثرة هنا وحفنة من دور نشر هناك، ومستشرقين عاشقين وحسب، يجعلنا نتساءل -في عجب- إن كان يُعوَّل عليه في الإدعاء بأن للأدب السردي العربي مكانا على خريطة القراءة خارج لغته؟!

سؤالٌ.. الإجابة عنه تشعرك بالحسرة، لأن كل هذه الضوضاء حول الترجمة لا ترافقها -من هناك- عينٌ عارضة، مُراجِعة أو ناقِدة، إلا في بضع صفحات هنا وهناك، ولا تكاد تبين إلا في دوريتين مهتمتين بالأدب العربي، أغلب القائمين عليهما من العرب، تصدر إحداهما في العاصمة البريطانية، هي مجلة «بانيبال»، وأخرى تصدر في الولايات المتحدة هي مجلة «الجديد».


* شاعر وروائي من مصر

14