"لا".. مهارة اجتماعية فريدة للحماية من استغلال الآخرين

الأربعاء 2014/01/15
كلمة "لا" الدرع الواقي لتجنب إفساد الأبناء بتلبية رغباتهم

في بعض المواقف التي تدفعنا إلى رفض فعل شيء أو الانصياع إلى واقع معين، يتجنب البعض الإعلان عن رفضهم بصورة صريحة حفاظا على مظهرهم الاجتماعي، حيث يتسبب التصريح بكلمة “لا”، من وجهة نظرهم، في تدمير العلاقات الاجتماعية والتخلي عن بعض الأشكال والقوالب السلوكية، التي يفرضها المجتمع أحيانا على الناس رغما عن إرادتهم.

لا، قد تأتي في صورة رفض طلب مساعدة صديق لضيق الوقت، رفض مجاملة رئيس العمل للقيام بواجبات إضافية خارج أوقات العمل أو رفض قبول هدية من غريب لا نعرف دوافعه.. وربما يتعدى استخدام هذه “المهارة” إلى حيث تتمثل أكثر العلاقات الإنسانية حميمية مثل علاقة الأم بأبنائها، حين تتجرأ الأم أحيانا وترفض شراء مزيد من الألعاب لأطفالها، أو تختصر قائمة المأكولات التي تقضي معظم النهار في تجهيزها إلى طبق واحد، لتأخذ بديلا عن ذلك قسطا من الراحة تكفلـه لهـا الشرائـع السماويـة.

هنالك العديد من المناسبات التي ينصح فيها متخصصون بضرورة استخدام كلمة “لا”. تؤكد الدكتورة جوديت سيلس أخصائية علم النفس الاجتماعي، بأن استخدام هذه المهارة يتطلب قوة في الشخصية وثقة في النفس كما يُشترط تفهم الطرف الآخر وتسامحه.

من جهة أخرى، يجب أن لا ننعت الشخص الذي يستخدم “لا” في بعض المواقف الاجتماعية بالشخص السلبي؛ فالسلبية تعني اتخاذ مواقف متعصبة على الدوام ورؤية العالم والأشياء بمنظار رمادي متشائم وهي تبني علاقات متأزمة ومزمنة مع الآخرين، أما “لا” فهي مهــارة اجتماعية تستخدم عند الضرورات فقط وهي خيار واضح ومشروع قد يتبناه الفرد في مواقف معينة ليحمي نفسه من تأثير الآخرين وسطوتهم. الرفض غير المباشر قد يكون تعبيرا أكثر دقة؛ فحين يرفض المرء الاشتراك في نشاط اجتماعي معين فهذا لا يعني أنه شخص سلبي ويرفض تقديم يد العون للناس، إذ قد تكون أولوياته في الحياة كالعـمل والأسرة في مقدمة اهتماماته لذلك فهو لا يجد الوقت الكافي لصرفه في مزيد من النشاطات.

"لا" هي مهارة اجتماعية تستخدم عند الضرورات فقط وهي خيار واضح ومشروع قد يتبناه الفرد في مواقف معينة

وترى الدكتورة سيلس في مقالها الأخير الذي نشر في مجلة علم النفس الأميركية، أن استخدام كلمة “لا” لحسم بعض المواقف قد تكون مقياسا لتأكيد الذات، وهو جزء من المسؤولية الملقاة على عاتق الفرد تجاه نفسه لمنع الآخرين، أيا كانت صلة قرابتهم به، من السيطرة على توجهاته وخياراته في الحياة على حساب مصلحته الشخصية.

وتؤكد بأن استخدام “لا” كوسيلة وحاجز، تمكن الفرد من الحفاظ على ملامح شخصيته.. ما يكون عليه وما سيكون أو ما ستكون عليه خياراته. وتؤكد: “بدلا من أن نجتهد لإرضاء الآخرين علينا أولا أن نكون المحور في علاقاتنا معهم ونحاول تحقيق رغباتنا في المقام الأول”.

يتمثل استخدام هذه “التقنية” الاجتماعية في جني فوائد شخصية كثيرة لعل أهمها، أنها تحمي الفرد من استغلال الآخرين الذين يحاصرونه بمطالب لا تنتهي ويقدمون مصلحتهم الشخصية على حساب مصلحته ووقته.

من ناحية أخرى، يمثل رفض الانسياق لرغبة الآخرين نوعا من الإخلاص والوفاء لقيم الفرد ومبادئه الخاصة فالانسياق وراء الآخرين وتبني أسلوبهم في الحياة بدافع المجاملة والخوف من الظهور بمظهر قاس، سيجعلنا نسير عكس رغباتنا الشخصية وربما مبادئنا في الحياة.

بدلا عن ذلك، تقول الدكتورة سيلس، علينا التركيز عل تحقيق أهدافنا أولا وعدم تضييع الوقت في التركيز على مساعدة الآخرين، معنويا، وهذا الأمر شائع جدا في مجال العمل؛ ففي خضم المنافسة، يلجأ البعض إلى طلب مشورة زملائهم في حل بعض المشكلات التي تطرأ على عملهم، ولعل التسامح في ذلك وبذل جهود مضاعفة للظهور بمظهر المنقذ قد يكلف المرء وقتا وجهدا من المفترض أن يوفره لتحقيق إنجازاته الخاصة في العمل.

بدلا من أن نجتهد لإرضاء الآخرين علينا أولا أن نكون المحور في علاقاتنا معهم ونحاول تحقيق رغباتنا في المقام الأول

في التربية، تمثل كلمة “لا” أحيانا الدرع الواقي لتجنب إفساد الأبناء بتلبية رغباتهم على مدار اليوم، حيث يتطلب الأمر موقفا حازما قد يتخذه الأبوان لرفض تحقيق أمر ما لأبنائهم، على الرغم من صعوبة قول كلمة “لا” لطفل صغير يحاول جاهدا الحصول على لعبة أو قطعة حلوى أو ساعة إضافية لمشاهدة برنامجه التلفزيوني المفضل.

على أن الأمر قد يختلط أحيانا عند البعض، فيسيئون فهم الشخص الذي يحاول حماية خياراته الشخصية، بإظهار رفضه الصريح مستخدما كلمة “لا”، ويتهمونه بحب الذات أو التعالي. في الحياة اليومية، أمثلة عديدة تؤكد هذا الاتجاه؛ فحين يرفض البعض إعارة سيارتهم الخاصة لأصدقائهم تجنبا للتعرض للمساءلة القانونية في حال حدوث طارئ، يساء فهمهم في الغالب من قبل الطــرف الآخـر الذي يرى في هذا الرفض الصريح ضربــا مــن الأنانية وجرحا للمشاعر.

ولتلافي الفهم الخاطئ من قبل الآخرين، ينصح متخصصون بضرورة استخدام كلمة “لا” ضمن سياق الكلام كي تظهر بصورة أقل حدة، وهذا الأمر يتطلب مهارة لغوية بسيطة تتضمن اختيار الكلمات المناسبة التي ترافق “لا”؛ فرفض دعوة أصدقاء إلى حفلة قد يكون بصيغة معينة مثل “متأسف، ولكني مرتبط بموعد آخر” أو “لا يمكنني الحضور في هذا اليوم فلدي موعد مع طبيب الأسنان”.

في حين أن استخدام تقنية “الكذب الأبيض” قد يكون خيارا آخر لتلافي التعرض للانتقاد. كذلك، يفضل عدم الاسترسال في تقديم الأعذار والاقتصار على بضعة كلمات، لأن الاعتذار بمزيد من الحجج قد يساء فهمه أيضا وقد يمنح الطرف الآخر فرصة متجددة لممارسة إلحاحه وضغوطاته.

21