لا مواطنة حقيقية دون منهج واحد للدين في المدارس

عاد موضوع إلغاء تدريس مادة الدين في المدارس المصرية للطرح من جديد في الأوساط التربوية والتعليمية وفي المجتمع بأسره. وبينما أيده كثيرون باعتبار أنه يؤدي إلى ترسيخ قيم المواطنة والتسامح وقبول الآخر المختلف دينيًا، رفض آخرون الفكرة من جذورها بحجة أن الطالب ما لم يتعلم مبادئ دينه منذ الصغر في المدرسة قد يلجأ إلى جهات متطرفة لتعلمه، وهنا تكمن الخطورة.
الثلاثاء 2017/05/09
تعليم ديني موحد لمواطن متسامح

القاهرة - أعاد طارق شوقي وزير التعليم المصري الجدل حول استمرار الفصل بين طلاب التعليم العام على أساس ديني، وقال في تصريحات الأسبوع الماضي إنه يرفض ذلك بشدة، لأن هذا الفصل في تعلم الديانات “يزرع الاختلاف بين طلاب الوطن الواحد”.

وتزامن طرح عدم الفصل بين الطلاب مع بروز حاجة بعض البلدان العربية التي لديها طوائف دينية مختلفة، على رأسها المسلمون والمسيحيون، إلى أن تنهي عقودًا طويلة من تدريس مادتين دينيتين؛ واحدة للتربية الإسلامية والأخرى للمسيحية، ما يدفع المدارس إلى الفصل بين طلاب الديانتين أثناء تدريس المادة.

ونجحت بعض البلدان التي تحتضن أكثر من ديانة مثل سنغافورة، في وضع حل جذريّ لأزمة تدريس أكثر من منهج ديني في المدارس بالاقتصار على منهج واحد يدرسه طلاب كل الديانات، الأمر الذي أدى إلى تعالي الأصوات المنادية بتكرار التجربة نفسها في الدول العربية.

منهج ديني واحد

أكد الباحثون عن حل لهذه الإشكالية أن الفصل بين الطالب المسلم وزميله المسيحي فيه نوع من العنصرية وضرب لقيمة المواطنة، وتمييز مرفوض وبداية لعدم قبول الآخر المختلف دينيا منذ الصغر، وهو ما يتناقض مع تكريس العدالة والمواطنة بين أبناء الوطن.

واقترح هؤلاء أن تكون هناك مادة دينية واحدة تتضمن التعاليم الدينية يدرسها جميع الطلاب، بغض النظر عن انتمائهم الديني، ومن خلالها يستطيعون الإلمام بأسس الديانات من حيث المبادئ والأخلاق وقيم التعايش في ما بينهم.

المضي نحو مناهج تعليمية تخرج مواطنين يؤمنون بحرية الاعتقاد، يظل بحاجة إلى المزيد من الجهد من قبل صناع القرار السياسي

ورأى خبراء تربويون أن دمج المناهج الدينية يعد بداية النأي عن التعصب والتطرف مع إعلاء قيم التعايش والتراحم، على أن تكون باقي المناهج التعليمية عصريّة ووطنية ومواكبة للتطورات العلمية وخالية من الارتباط بثوابت أو موروثات لها علاقة بالدين، أيّا كان هذا الدين.

وقال أيمن البيلي، الباحث التعليمي في مصر، إن ما تحتويه كتب الديانات في بعض الدول أصبح ينظر إليه من أصحاب الديانات الأخرى على أنه “سر خطير”، وهناك من يشعر بأنه عند الفصل ما بين الطلاب فإن هذه الفئة تتآمر على الأخرى أو تطعن فيها.

وأوضح لـ“العرب” أن تخصيص مادة دينية لكل فصيل من الطلاب هو علامة على التعصب على أساس طائفي، فضلا عن أن الكثير من المدارس قد لا يوجد فيها سوى طالبين أو ثلاثة مسيحيين وبالتالي لا يتم تخصيص معلم قبطي لهم، وفي ذلك تمييز غير مبرر.

وأشار البيلي إلى أن هناك مناهج في مصر والسودان تقحم فيها نصوص دينية إسلامية بشكل غير منطقي مثل اللغة العربية والتاريخ، ويتم إجبار الطالب المسيحي على حفظها، ويعتبر ذلك عنصريّة فجّة لأنه يعني عدم اعتراف بديانات باقي الطلاب.

ويرى أنصار وضع منهج واحد للدين لكل الطلاب أن اللغة العربية والتاريخ يجب أن يظلا بعيدين عن تدريس الدين، على أن يقتصر تدريس الدين على كتاب واحد بعيدا عن إقحام مسائل دينية ما زالت موضع خلاف بين الفقهاء والمذاهب ما قد يفرز شخصية مشوشة لدى التلميذ.

وأوضح مؤيدو هذا التوجه أن إبعاد النواحي الدينية عن التعليم، واعتبار منهج التربية الدينية واحدًا لكل الطوائف وجعله مفردة منفصلة للتعايش والتآخي تحت مظلة وطنية واحدة من شأنه أن يقضي على التعصب المذهبي والانحراف الفكري والتطرف والتمييز بين أبناء الوطن.

ويرى محب الرافعي وزير التربية والتعليم المصري السابق، أنه في هذه الحالة سوف تكون المؤسسات التعليمية مضطرة إلى حذف الدروس والقصص التي تحض على العنف والتطرف والتشدد وإقصاء الآخر. وسوف تضطر إلى الاعتماد على نصوص دينية وسطية يتعلم منها كل الطلاب -بغض النظر عن ديانتهم- قواعد وأصول التعايش والمحبّة والسلام، وبالتالي يتم تنقيح المناهج بشكل غير مباشر.

وأضاف الرافعي لـ“العرب” أنه يمكن أن تكون المناهج تحت مسمى “الثقافة الدينية”، وتتضمن دروسًا عن التاريخ الإسلامي والقبطي معًا لإحداث توازن دون التلميح إلى العنصرية بتدريس تاريخ الإسلام فقط، وتكون بجوار الآيات القرآنية نصوص إنجيلية في المنهج نفسه ليتعلم الطالب أسس الديانات لا أن يدرس الدين كمنهج تربوي عام.

التعايش يبدأ من المدرسة

رفض مجتمعي

هناك عقبات تقف في طريق توحيد منهج الدين، أولاها مدى تقبل المجتمع لهذه الفكرة وجرأة صناع القرار التعليمي والسياسي على أن يصارحوا الشارع بها بحيث يكون هناك حوار مجتمعي للنقاش حول الأمر فضلا عن امتلاك أدوات مواجهة أصحاب الفكر المتشدد ممن يستندون إلى قول الله تعالى “لكم دينكم وليّ دين”.

علاوة على ذلك فإن هناك آراء متشددة تعتقد أن توحيد المنهج الديني لمختلف الطوائف الدينية يعني التلاعب بالهوية الإسلامية للدولة حتى وإن كان الهدف محمودا ويرمي إلى تربية النشء على التسامح والتعايش المشترك وعدم فرض حالة من السرية على ما يدرسه الآخرون.

وشدد المعارضون للفكرة على أن إلغاء الفصل بين الطلاب داخل الحصة الدينية وتوحيد المنهج الديني قد يؤديان إلى تدهور القيم الدينية لدى الملتحقين بالتعليم العام، لأنهم سوف يبحثون عن بديل ذلك خارج المدرسة، سواء حفظ القرآن أو بعض الأحاديث ما يضعهم في قبضة أصحاب التوجهات الدينية المتشددة.

ولفت هؤلاء إلى أن النصوص الدينية والأحاديث التي حفظها الطلاب في مراحل التعليم العام هي التي تظل محفورة في عقولهم، ومجرد إلغائها أو اعتبارها “للاطلاع فقط” يجنب الطلاب قيمة مهمة في سبيل الاستفادة منها في حياتهم، لا سيما أن المدرسة تقوم بدور مهم في تحفيظ القرآن لا تقوم به أغلب الأسر.

وقال مراقبون إن هناك نيّة واضحة لدى القائمين على وضع السياسات التعليمية لتحجيم دور الدين في المدارس، لكنهم يخشون مصارحة المجتمع بذلك، فمثلا لا يوجد مسمى وظيفي في مصر لـ“معلم التربية الدينية” ويقوم أي معلم بتدريس مادة التربية الدينية، كما أن هذه المادة لا تضاف إلى مجموع الدرجات النهائي.

ولا يمكن حل هذه الإشكالية في رأيهم قبل أن يتم الفصل بين التعليم الديني والتعليم العام، فمن يُرِدْ الدين أساسيّا في التعلّم يلتحقْ بالتعليم الديني ومن يبحثْ عن تعليم عصري يلتحقْ بالتعليم العام الذي يحصل فيه كل الطلاب على المعارف التي تتضمن كل الأديان، بحيث تكون لدى الطالب (المسلم أو المسيحي) معرفة بدينه وبالأديان الأخرى.

ويبدو أن المضي نحو مناهج تعليمية ديمقراطية تُخرّج مواطنين ناضجين يؤمنون بحرية الاعتقاد ويعادون التمييز والعنصرية، يظل بحاجة إلى المزيد من الجهد من قِبل صنّاع القرار السياسي والتعليمي لتغيير الموروثات القديمة التي تقف حجر عثرة أمام جعل التعليم مؤسسًا لعلاقات أكثر إنسانية.

17