لا موت للمؤلف

"إن نظرية سينما المؤلف اخترعتها حفنة من الفرنسيين، وفي أيديهم كتاب في مبادئ السينما، وكاميرا 16 مم، وحافظ عليها أشخاص يكتبون عن الأفلام".
الأربعاء 2018/04/11
المؤلف مايكل هانيكه يقود حملة "أنا أيضا" ضد التحرش

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية (بتاريخ 23 مارس) مقالا بقلم الناقد السينمائي ريان غيلبري، تحت عنوان “موت المؤلف السينمائي”، يزعم أن “سلطة المخرج السينمائي” قد انتهت في ضوء الكشف عن عدد من التحرشات الجنسية في أوساط صناعة السينما، وردود الفعل على حملة “أنا أيضا” من جانب بعض كبار “المؤلفين السينمائيين” أمثال مايكل هانيكه وكونتين تارانتينو وتيري غيليام.

هانيكه صاحب “الشريط الأبيض” و”حب”، قال مشبها الحملة بحملات “مطاردة الساحرات” في زمن محاكم التفتيش، ودافع تارانتينو عن الاتهامات الموجهة لرومان بولانسكي عن فعل جنسي وقع قبل 40 سنة، ثم قيل إن تارانتينو أرغم الممثلة أوما ثيرمان على القيام بحركة خطرة ممّا تسبب في إصابتها أثناء تصوير فيلم “اقتل بيل”، كما يؤخذ عليه إقراره بالاستمرار في التعاون مع هارفي وينستاين رغم علمه بتحرشاته الجنسية، أما غيليام (مخرج فيلم “برازيل”) فقال إن بعض النساء ممّن اتهمن وينستاين “كنّ يعرفن ما يفعلن”.

كاتب المقال يتخذ من هذه “الأحداث” مبررا للزعم بأنه ليس من الممكن الفصل بين ما يقوله هؤلاء في الحياة العامة، وبين ما يصنعونه من أفلام تحمل أفكارا ومفاهيم أخرى!

إن الاستناد إلى فرضية وجود هذا التناقض بين أقوال المخرجين-المؤلفين وأفلامهم، هو مدخل “بوليسي” لا يصلح في الحكم على الأفلام أو القفز إلى استنتاج أن هؤلاء السينمائيين “أشرار”، لا يجب تصديقهم، ناهيك عن الاحتفاء بهم أو الإعلاء من شأنهم.

إن أفلام هؤلاء تعبّر عن موقفهم من العالم، وتصل أحيانا في تعبيرها إلى قمة القسوة وتصوير مشاهد العنف والاغتصاب أيضا (ولعل الأقرب إلى الذاكرة مشهد الاغتصاب في فيلم تارانتينو “الأعداء الثمانية”)، وليس معنى هذا أنهم من الوحوش البشرية، فالسينما فن يعتمد على الخيال أساسا.

ويحاول كاتب المقال التقليل من شأن نظرية المخرج-المؤلف التي رسخت بعد أن تبناها نقاد مجلة “لي كاييه دي سينما” في الخمسينات مثل فرنسوا تريفو وجان لوك غودار وإريك رومير، وتحمّس لها في الولايات المتحدة الناقد أندرو ساريس، وهي تقوم على الإعلاء من سلطة المخرج السينمائي على حساب كاتب السيناريو، وتعتبر المخرج صاحب البصمة الخاصة أو الرؤية السينمائية التي تعبّر عن نظرته للعالم، مؤلفا كاملا مثله مثل الشاعر والأديب حتى لو لم يكتب سيناريو فيلمه بنفسه.

فالكاتب يتساءل: كيف يمكن أن ننظر إلى أفلام تارانتينو وهانيكه وألمودوفار، الذي تورّط حسب ما كشفت عنه “أوراق بنما”، في التهرب من الضرائب، أو برتولوتشي الذي اعترف بنفسه بأنه لم يخبر الممثلة الراحلة ماريا شنايدر بعنصر معين كان سيستخدمه في أحد المشاهد، ممّا سبب لها الألم أثناء تصوير فيلم “التانغو الأخير في باريس”، أو وودي ألين الذي تلاحقه اتهامات ابنته بالتبني ديلان فارو.

والكاتب بالطبع يصل إلى النتيجة التي أراد الوصول إليها منذ بداية مقاله، وهي أنه لا يصحّ أن نرفع أعمال هؤلاء فوق غيرهم من المخرجين، وهو استنتاج ساذج لأن الفيلم يبقى بعد رحيل صاحبه، فإذا اتبعنا دعوة الكاتب فلا بد أن نهيل التراب بأثر رجعي، على الكثير من التحف السينمائية.

ولا أعتقد أننا يجب أن نتعامل بجدية مع قاله المخرج البريطاني آلان باركر في معرض تعبيره بطريقته الخاصة الساخرة على ظاهرة “المخرج-المؤلف” وسينما المؤلف عموما، خاصة أنه معروف بميله إلى المعابثة والمزاح، لكن ريان غيلبي يختتم مقاله باقتباس عبارات ممّا قاله باركر تدليلا على دعوته إلى إهالة التراب عن المؤلفين وأفلامهم.

فباركر يقول “إن نظرية سينما المؤلف اخترعتها حفنة من الفرنسيين، وفي أيديهم كتاب في مبادئ السينما، وكاميرا 16 مم، وحافظ عليها أشخاص يكتبون عن الأفلام، وغذّاها أناس مغرمون بأنفسهم هم نحن المخرجون”، وهو قول يذكّرني بما قاله ليستر فريدمان في كتابه “الصورة اليهودية في السينما الأميركية” بأن “اليهود هم الذين اخترعوا النهاية السعيدة في الأفلام لدفع الأميركيين إلى الجنون”!

16