لا ناجحين في امتحان الإعلام لأن الحقيقة لا تكفي

الصحافة ليست بخير، الجميع يعلم ذلك. كانت الصحافة الأميركية المصنفة الأقوى في العالم خير مثال. لقد أسقطت بالضربة القاضية في وحل الأكاذيب. لم تكن هي من كذبت، بل هي التي لم تستطع دحض الأكاذيب. تتحمل المسؤولية لأنها لاعب حاسم.
السبت 2016/12/31
الإعلام الأميركي فشل في توقع نتائج الانتخابات

واشنطن - في هذا الوقت الذي يشهد صعود القوى اليمينية المتطرفة في أماكن كثيرة حول العالم، تبرز أسئلة عن دور الصحافة.

ورغم أن الصحافة الأميركية استماتت لتقزيم المرشح الجمهوري دونالد ترامب والتحذير منه، فقد كانت مشكلتها أنها تفكر بنفس الطريقة لتكون النهاية مأساوية.

لقد فشلت وسائل الإعلام الأميركية الليبرالية المسيطرة، بترسانة كتابها ومحلليها فشلا ذريعا في توقع نتائج الانتخابات. توقعت جميع وسائل الإعلام انتصار المعسكر الذي تنتمي إليه وتؤمن بقيمه، وخسارة المعسكر الذي تُعاديه.

طريقة التفكير هذه دفعت وسائل الإعلام إلى تفضيل المرشحين المقربين منها وتوقع انتصارهم، الأمر الذي تبين بأنه خاطئ في لحظة الحقيقة. توقعت وسائل الإعلام ما تريد أن يحدث، وبذلك أخلت بدورها وهو التغطية وتحليل ما يحدث في الواقع.

ولأن وسائل الإعلام ليست كما تدعي، إنها ليست محايدة تنظر من الجانب إلى اللعبة السياسية وتوزع النقاط على المشاركين. وسائل الإعلام هي لاعب في هذا الملعب، لاعب فعال وهام بل وحاسم. نموذج العمل المتكرر لوسائل الإعلام بأخذ الشعب في الاتجاه “الصحيح” هو كالتالي: سنثبت للجمهور الواسع بأن “قائده” وعندها سيعي الشعب ويصوت لـ“مرشحنا”. وهكذا يحدث الخلاص.

لكن، ليس فقط أن هذا النموذج لا ينجح، بل العكس تماما، كلما اهتمت وسائل الإعلام أكثر بشخصية “غير الجيد”، كلما زاد عدد المصوتين له.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، لقد شابهت التغطية الصحافية للحملات الانتخابية في الولايات المتحدة إلى حد بعيد التغطية الإعلامية التي رافقت وصول الزعيم النازي أدولف هتلر في ثلاثينات القرن الماضي.

قللت الصحافة الأميركية حينها من خطر هتلر، كانت تصوره على أنه نكتة. فقد كان هتلر يصرخ “بكلام رنان لا معنى له”، وكان مظهره، بحسب مجلة النيوزويك، شبيها بتشارلي شابلن، أما الكوزموبوليتان فقالت إنَّ “فصاحته كانت على قدر شعوره بالنقص”.

بحلول نهاية الثلاثينات، أدرك معظم الصحافيين الأميركيين خطأهم في التقليل من هتلر، وعدم إدراكهم مدى السوء الذي قد تصل إليه الأمور. دوروثي طومبسون، مثلا، محررة نيويورك هيرالد تريبيون التي قالت عام 1928 إنَّ هتلر رجل “تافه بإفراط”، أدركت خطأها بحلول منتصف العقد، بل بدأت في دق نواقيس الخطر.

في “حالة ترامب” خرجت صحيفة “يو إس إيه توداي” الأميركية، عن التقليد التاريخي الذي تلتزم به منذ تأسيسها، بالامتناع عن الانحياز إلى أو ضد أحد المرشحين في السباق إلى البيت الأبيض، ودعت الناخبين إلى “عدم الانجرار وراء ديماغوجي خطير”.

وبررت هيئة التحرير موقفها بأن (الملياردير) غير مؤهل للرئاسة”.

صحيفة أخرى محافظة، هي صحيفة “اريزونا ريبابليك” دعمت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وكانت الصحيفة قد أعلنت، في افتتاحيتها أنها اختارت كلينتون وذلك للمرة الأولى منذ تأسيسها عام 1890.

إذن، بعد استسلام المجمع الانتخابي، سيصبح ترامب في يوم 20 يناير الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة.

لقد كانت أكاذيبه خلال حملة الانتخابات الرئاسية سلاحا فعالا، كما كانت أحد العوامل الحاسمة لفوزه في البيت الأبيض.

وفي مقال نشر في 20 ديسمبر، قالت مجلة سالون الأميركية إن أكاذيب ترامب عملت على تدريب وسائل الإعلام المتضامنة، وكذلك عدد كبير جدا من الأعضاء في الحزب الجمهوري الأميركي، لكي يتبنوا الحقائق الخاصة به، وتحقيقا لهذه الغاية، استدان من محبوبه والراعي الجلي له، فلاديمير بوتين، وأدى ذلك إلى خلق حالة من الارتباك الدائم بين وسائل الإعلام العامة والجمهور.

وسواء من خلال “الأخبار الوهمية”، التي هي بالفعل دعاية سوداء، أو من خلال التضليل الذي عممته شبكة “فوكس” ووسائل الإعلام اليمينية، تم خلق وضع يتم من خلاله تحويل الحقائق الأساسية إلى منازعات مسألة نقاشية دائمة، وإذا كان كل شيء يقوله الرئيس أو يفعله، بحكم التعريف، “أخبارا”، إذا فأكاذيب ترامب خطيرة ومثيرة للدهشة.

وفي المؤتمر الصحافي الختامي لعام 2016، وربما المؤتمر الأخير له كرئيس، قدم باراك أوباما تحذيرا قال فيه “إذا كانت الأخبار الوهمية التي يتم إطلاقها من قبل بعض الحكومات الأجنبية تكاد تكون مطابقة للتقارير التي تصدر من خلال المواقع الإخبارية الموالية، فليس من المستغرب أن الدعاية الخارجية سيكون لها تأثير أكبر. لأنه لا يبدو من المستبعد المقارنة مع بعض الأمور الأخرى التي مازال الناس يستمعون لها من خلال الدعاة المحليين”.

إن القصص عن تزايُد وطأة الغش والخداع مع مرور الزمن، كحالة ترامب، شائعة الى درجة كبيرة، الأمر الذي دفع فريقا من الباحثين من كلية لندن الجامعية وجامعة ديوك إلى استقصاء هذا الموضوع.

وتؤكد النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي في بيئة مختبرية، والتي نُشرت في دورية “نيتشر نيوروساينس” Nature Neuroscience، أن الخداع ينمو ويكبر مع التكرار.

إن الإعلام الذي فشل في امتحان انتخابات الرئاسة الأميركية، يجب عليه أن يتعامل في المستقبل مع البيانات والمؤشرات بمهنية وطريقة سليمة.

الكاتبة حول قضايا الإعلام في صحيفة ‘واشنطن بوست’ مارغريت ساليفان قالت إن عام 2016 كان عام “الفشل الذريع” للإعلام الإخباري. وكتبت “أقولها بصراحة، وسائل الإعلام أخطأت في الخبر”.

ورأى أستاذ الصحافة في جامعة نورثيسترن دان كينيدي أن ترامب “فهم مناخ الإعلام المعاصر أكثر من أي شخصية عامة أخرى وتمكن من استغلاله بحيث جعل من نفسه النجم”.

ومن جانبه، اعتبر الصحافي جيم روتنبرغ، أن الإعلام الأميركي تعلّم دروسا مهمة في العام الحالي، مؤكدا أن الدروس لا تنحصر في الأخطاء التي ارتكبها، بل تشمل تصرفاته الصائبة، وفقا لمقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.

18