لا نجني من الشوك إلا الجراح

الاثنين 2015/06/15

متى نودع ظاهرة الثأر الناخرة في عظام مصر؟ متى يتجمل صعيد مصر وجنوبها الدافئ الحامي بالتسامح والصفح؟

هل حقا مازال لدينا ثأر؟ إذا سألك أحد هذا السؤال بلا تفكير ستقول نعم، نحن غارقون في بحور الدم المسفوح لأجل الثأر أكثر من هذا المراق بسبب حوادث الطرق على الرغم من كون مصر من أكثر الدول التي تعاني حصد الأرواح على طرقها.

مازالت هناك العقلية الثأرية التي تؤجج نار الحقد في القلوب المتعبة والنفوس الضعيفة المنهكة بمشاعر وخصومات ربما فاقت عمر الشخص ذاته.

فمازالت بعض أسر في صعيد مصر تربي أبناءها على أن الثأر كرامة، حق، وواجب. لا يجوز التفريط فيه ولا نسيانه مهما طال الزمان.

مازال كبير العائلة “أبو العموم” يغذي الثأر في نفوس أجيال لم تكن “شيئا” حين وقعت حادثة القتل الأولى ولا يترك راية الثأر تنكس من بعده، بل تتولى لواءها امرأته من بعده إن لم يكن هناك رجل يحمل راية ومسؤولية الثأر. وهذه المرأة “الكبيرة” رغم كونها تحصن أبناءها وأحفادها بالدعاء في جوف الليل وصلاة الفجر، إلا أنها لا تجد غضاضة البتة في دفعهم إلى مصير مجهول.

يعلّمون الشباب في المدارس ويلحقونهم بالجامعات، ينفقون الأموال من أجل مستقبل أفضل وإن كان محكوما بالإعدام قبلا.

وعلى الرغم من كون المرأة أهم متضرر من حوادث الثأر والحلقة الأضعف فيه، إذ تصبح أرملة أو ثكلى أو يتيمة أو مكلومة، إلا أنها لا تتورع في دفع ضحايا آخرين لمصير تعيس. كمن تمشي على الأشواك بأقدام عارية.

تصبغ العائلات يومياتها بالسواد وتترقب رائحة الموت تفوح من ديار لا ذنب لساكنيها غير حادثة ثأر ربما يجهل من هم على قيد الحياة أول خيوطها.

تشترك ثلاث محافظات هي سوهاج وأسيوط وقنا في مثلث الدم الذي تتداخل فيه الأحزان وتتشابك دموع الفرح بصرخات الحزن، ما بين أسرة تودع قتيلا إلى أسرة تتلقى عزاءها المؤجل بعد أن ارتوت من بحر الدم وشفت غليل قلبها المشحون بالحقد، وأسدت للشيطان خدمة جليلة وأراحته من عناء الوسوسة لآذان لا تسمع غير مقولة “الثأر ولا العار”، كسب إبليس أعوانا جددا وسكن قلوبا لا تعرف التسامح.

والعجب كل العجب أن المرأة الصعيدية المكوية بنيران الحزن والفقد هي الحارس الأمين ومفتاح خزانة الأحزان، واللاعب الأساسي. تتشح بالسواد وتنشد مواويل الحزن والنواح، ترضع صغارها الثأر وربما تدرّبهم على القتل منذ نعومة أظافرهم، حتى لعب الصغار لا تخرج عن المسدس والبندقية والأسلحة الغريبة التي لا تحمل غير الشر في ثناياها.

ويغرق صعيد مصر في ظاهرة الثأر كالسائر في طريق موحل كلما رفع قدما غرقت الثانية فلا مجال للسير السريع ولا وجود لحديث عن التنمية قبل جفاف هذه البرك الراكدة، وتغير النظرة المجتمعية التي تمثل خطرا ربما يفوق خطر الإرهاب، إذ أن الأخذ بالثأر صناعة اختيارية، نقدمها لأنفسنا مع قهوة الصباح، ولا نستريح منها بنوم القيلولة، ونستيقظ على صوتها كابوسا يؤرقنا، ومادة متدفقة، قديمة جديدة في نشراتنا اليومية.

بحجة أن الثأر نقطة دم لا تتعفن ولا تتسوس، نهدي زهراتنا وأقمارنا المضيئة لحظائر الموت الرخيص، ونبكي قبورا بلا شواهد شيدناها بأيدينا لأغلى الأحباب.

21