لا نستبدل قلقا بقلق

كورونا ليس مخلوقا عاقلا. لن يعرف تغيرات مزاجنا ولا يحس بها. لا حاجة لأن نتخيله جالسا يسخر من هواجسنا ومخاوفنا. نحن من نواجهها ونهزمها.
الأربعاء 2020/06/24
كيف نسترجع بعضا من أنساق الحياة ما بعد كورونا

دخلنا حالة وباء كورونا نفسيا وها نحن نريد الخروج منها نفسيا. انتشر الخبر فعم القلق ثم الهلع. هذا فايروس قاتل لا يرحم. في بعض الدول وصلت نسبة الوفيات إلى 10 بالمئة من الإصابات. هذه نسبة عالية جدا.

امتلأت وسائل الإعلام بالأخبار والتحليلات والتصريحات عن الوباء. كل ما قيل كان يزيد من القلق ولا يبعث على الاطمئنان. بعض الذين تحدثوا عن المرض وقدموا النصح الحكومي للناس في كيفية التعامل مع الحالة الغريبة التي فرضها الوباء هم أنفسهم أصيبوا. كل مؤتمرات رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون عن الوقاية من الوباء لم تجعله بمنأى عن الإصابة.

الآن نحن بمزاج الخروج من هلع الإصابة لنعود إلى حياتنا. كدت أكتب حياتنا العادية، لكن كلنا نعرف أن لا حياة عادية ممكنة طالما لم يصل العلم إلى لقاح، وبالعدد الذي يكفي 7 مليارات إنسان. وحتى هذا سيكون مرحلة، لأن الفايروس يمكن أن يتغير مثله مثل فايروس الأنفلونزا، ونحتاج إلى لقاحات سنوية أو فصلية لكي نستطيع الاستمرار. كورونا، حسب وصف العلماء هو تنويع جيني على فايروس سارس.

تغيير المزاج ضروري. الطاقة السلبية التي جلبتها العزلة للناس يجب أن تتبدد. من المبكر الحديث عن طاقة إيجابية تتراكم والعالم لا يزال يعيش على وقع الوباء والإصابات والوفيات. ومن الصعب أيضا تخيل تبدد سريع عندما يتصاحب الخروج من الحجر العام أو الذاتي إلى عالم منهك اقتصاديا تلقى العديد من الضربات خلال السنوات الماضية بدءا من الأزمة الاقتصادية عام 2008، ليأتي فايروس كورونا ويبدو وكأنه سيجهز على ما تبقى منه.

الحذر تحصيل حاصل. سنحافظ على المسافات ونرتدي الكمامات ونغسل أيدينا. لكن ما يهم الآن كيف نسترجع بعضا من أنساق الحياة. لا نستبدل قلقا بقلق. لا نخرج من الخوف من الوباء إلى التردد في الإنفاق. لا نخرج من ضجر العزلة إلى رهاب البطالة. الحكومات اليوم تقول للناس أنفقوا لكي تستعيد الحياة دورتها. أنفقوا بتحسب ولكن لا تتوقفوا عن الإنفاق. الوباء عطل الحياة ووضع الاقتصاد في المجمدة. ولكن الوباء باقٍ معنا في المدى المنظور، ونحتاج أن نخرج الاقتصاد من حالة التجميد. نحتاج أن نخرج من غريزيات البقاء من صحة وطعام إلى القيمة المضافة التي يمنحنا إياها الإحساس بأننا نحيا. نلتقي الأهل والأصدقاء ونشرب معهم القهوة في كافيهات ونتابع المناسبات الثقافية ونقرأ أخبارا غير أخبار كورونا.

كورونا ليس مخلوقا عاقلا. لن يعرف تغيرات مزاجنا ولا يحس بها. لا حاجة لأن نتخيله جالسا يسخر من هواجسنا ومخاوفنا. نحن من نواجهها ونهزمها.

24