لا نستطيع أن نلقي بكل أخطائنا على إيران

تمكّنت إيران من فرض وجودها الكامل في دول مركزية في منطقة الشرق الأوسط وبات لها نشاطها في دول كثيرة من العالم الإسلامي؛ ووسيلتها ليست فقط، حلفاءها السياسيين والميليشيات المسلّحة، بل قبل ذلك، السياسات السنيّة وخطابها الذي يكرّس العداء للشيعة بين أبناء الوطن الواحد. وستستمرّ إيران في التحول إلى قوة شيعية مادامت تعزف على مزمار المظلومية للمّ شمل الشيعة الذين يفرّقهم خطاب إخوانهم السنّة.
الثلاثاء 2016/02/02
اتحاد سهل في الكويت ضد داعش... الاتحاد ضد إيران أصعب

عندما زار الشاه الكويت عام 1968 تم فرش سجاد إيراني على الشوارع ليمر عليه الموكب الشاهنشاهي من المطار إلى قصر السيف. وقد تحمل التجار الكويتيون الشيعة جميع نفقات ذلك المشروع. تلك كانت حفاوة بملك علماني ادعى حماية المقدسات كعادة البيت القاجاري والصفوي من قبل. فما بالك بمشاعر شيعة الكويت الحقيقية اليوم تجاه ملك وفقيه مثل آية الله الخامنئي؟ لقد صمتوا أيام صدّام حسين عن الموقف الرسمي المعادي للخميني بسبب الخوف، أما اليوم فظروفهم مختلفة.

لا يعترف شيعة الكويت بالخلاف الأهم بين بلادهم وإيران الذي يمتد منذ الستينات حول الحدود البحرية وتحديدا حقل الدرة، الذي تسميه إيران “حقل آراش”، فهناك 200 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي بين الكويت والسعودية وإيران في منطقة بحرية مشتركة تمثل جوهر الصراع والتدافع بين القوى الإقليمية في المنطقة. وإيران كعادتها توظّف السياسة والصبر والقوة الرمزية المذهبية لتحقيق مكاسب خيالية في النهاية.

حين توفي العام الماضي السيد محمد باقر المهري، أهم رجل دين شيعي في الكويت، شيّعته الكويت تشييعا أميريا، وبطائرة خاصة من الأمير تم نقل جثمانه إلى النجف حيث تم تشييعه مرة أخرى هناك ودفنه بمقبرة السلام، فأين هو وطن السيد المهري؟ جوار علي بن أبي طالب حيث يُدفن ويُبعَث أم حيث الحدود الكويتية الحديثة؟ لا نستطيع فرض تصورنا على الشيعة. ما هو وطن السيستاني؟ سيستان بلوشستان حيث ولد وترعرع حتى شبابه؟ أم جوار علي بن أبي طالب في النجف الأشرف حيث درس وعاش وأصبح مرجعا دينيا؟ فَلَو لم يكن العراق وطنا للسيستاني ما أصبح هو مرجعا للناس وإماما وسيدا مطاعا.

إيران تستطيع كسب عربي مثل محمد باقر الصدر يقدّم رقبته لمخابرات صدام حسين عن طيب خاطر، ويقول علنا بلا خوف “ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب في الإسلام”، بينما العرب يجلبون شيعيا عراقيا بالمال ليمتدح السعودية ويشتم إيران، ولا أحد يعرف الجدوى من شيء كهذا. الرئيس صدام حسين جلب الآلاف من الشعراء والكتاب المرتزقة ليشتموا الخميني، فماذا كانت النتيجة؟ لماذا الإصرار على تكرار الخطأ؟ أليس الأفضل كسب المفكرين الشيعة العرب الذين يقولون لنا الحقيقة؟

إيران اشتغلت القليلمن السياسة مع الكثير من المبادئ والعقيدة بينما العرب اشتغلوا الكثير من السياسة بالقليل جدا من المبادئ والعقيدة

شيء ممتاز أن تسعى السعودية إلى تحالف إسلامي “سني” لتقوية موقف العرب في هذا الصراع، غير أن سلطنة عمان تهنئ إيران على الاتفاق النووي، ووزير خارجيتها يقول علنا إن السلطنة لا تريد مشاكل مع إيران. والكويت، من جهتها، تربطها علاقات قوية بطهران. ومصر تضع مصير سوريا نصب عينيها ولا تريد مشاكل. ودولة قطر سياستها معروفة ومتمردة. تركيا وإيران القوتان التاريخيتان الأكبر في المنطقة متحالفتان بموضوع أساسي وجوهري هو الوقوف بوجه الطموح الكردي ومنعه من إعلان دولة كردية تفكك تركيا وإيران، كما أعلن مستشار الخامنئي الدكتور علي أكبر ولايتي مؤخرا، فكيف يتشكل تحالف إسلامي بهذه الظروف؟ العرب اتحدوا بتشجيع من أميركا ضد العراق وصدام حسين بعد احتلال الكويت إلا أنهم دون أميركا كل دولة لها ظروفها الخاصة.

اعتقد أن خطأ العرب فادح، فإيران اشتغلت القليل من السياسة مع الكثير من المبادئ والعقيدة، بينما العرب اشتغلوا الكثير من السياسة بالقليل جدا من المبادئ والعقيدة. لقد أظهرنا مرونة كبيرة في مسائل لا تتحمل هذا القدر من التنازل، وهذه نقطة ضعف كبيرة وهي سبب ظهور الإرهاب والدولة الإسلامية.

قداسة رجل الدين

قالوا للخميني وماذا يفهم رجال الدين بالسياسة والاقتصاد؟ فقال لهم وماذا يفهم هؤلاء الذين يحكمونكم اليوم بالسياسة والاقتصاد؟ على الأقل رجل الدين قضى عمره بين الكتب في الحوزة العلمية وعنده قابلية للتعلّم. كثيرون اليوم يعتقدون أن خامنئي أكثر ثقافة من السيد نوري المالكي والسيد الجعفري والسيد مشعان الجبوري أو أسامة النجيفي مثلا. ما هو فهم صدام حسين للاقتصاد؟ أليس هو الذي نقل الدينار العراقي من ثلاثة دولارات أميركية إلى ثلاثة آلاف دينار للدولار الواحد؟

قبل ثلاثة أيام استقبل البابا فرانسيس الرئيس روحاني في الفاتيكان، وطالب البابا إيران بالمساعدة على مكافحة الإرهاب، وفي ذلك اللقاء الرسمي سأل الرئيس الإيراني قداسته “أن يصلي لأجله”. وقدّم البابا له هدية غالية متمثلة في قلادة عليها صورة القديس مارتن وهو يهب رداءه لمشرد في البرد، دلالة على الصداقة الحقيقية بين الرجلين، وكأن قداسته يلقي بردائه على إيران الخارجة من العقوبات والحصار. من جهته قدم الرئيس روحاني سجادة فارسية رائعة مصنوعة بأيادي الفتيات الفارسيات الناعمة في مدينة قم المقدسة كدليل مودة وصداقة.

إيران تستقوي بلم شمل الشيعة الذين يفرقهم خطاب إخوانهم السنة

ليس عند السنة رئيس جمهورية ورجل دين في نفس الوقت، البابا وروحاني رجلا دين يتمتعان بسلطة في القرن الواحد والعشـرين، ويتبادلان تجاربهما الروحية، وقد سبق ورأينا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يزور آية الله السيد السيستاني في النجف الأشرف ويتشاور معه في مسائل مصيرية.

علينا أن نعترف بأن السنة ليس عندهم رجال دين بهذه المنزلة الرفيعة، وقد سبق للخميني أن سخر من الأزهر الشريف واصفا رجال الدين فيه بوعاظ السلاطين. أيام الرئيس المصري جمال عبدالناصر اعتبر الأزهر أن الحرب مع إسرائيل رسالة مقدسة وإرادة الله، وأيام السادات اعتبر الأزهر أن السلام مع إسرائيل رسالة مقدسة وإرادة الله. مشايخ السنة يتمتعون بمكانة متواضعة جدا ويعيشون من الراتب الذي تصرفه لهم الدولة، وليست عندهم قداسة ولا خمس ولا حوزة.

العرب يهاجمون إيران بطريقة عجيبة فمن جهة يقولون إن انتخاباتهم غير نزيهة، رغم أن العرب ليست عندهم انتخابات أصلا، ومن جهة يقولون إنهم شعب “متعة” وعندهم حرية جنسية رغم أن ذلك نقطة لصالحهم من وجهة نظر الغرب على الأقل. وإمام الحرم المكي يقول الشيعة أحفاد ابن العلقمي حلفاء الصليبيين واليهود وأعداء الأمة الإسلامية المؤمنة بالتوحيد، بينما الليبراليون السعوديون من جهة أخرى يقولون إيران دولة إسلامية إرهابية على أميركا ألا تثق بها فالعرب أكثر إخلاصا لأميركا من العقائديين الشيعة.

توقفت مؤخرا مقالات العرب ضد داعش خصوصا في القنوات السعودية، لقد أدركوا أنهم يستهلكون أنفسهم في معركة داخلية “سلفية سنية” بينما تنتشر إيران على حسابهم. قرر العرب تجاهل داعش تماما والتفرغ لإيران إلا أن هذا لن يجدي فالغرب كله لا حديث له سوى عن خطر داعش. وكيف ستقنع الشيعي العربي بأن هدم ضريح مؤسس مذهبه جعفر الصادق كان أمرا قديما ولا أهمية لإعادة بنائه في المدينة المنورة؟ وهو يرى اليهودي يعود بعد ألفي سنة إلى حائط المبكى وهيكل سليمان، بينما عليه التخلي عن أضرحة البقيع بعد هدمها على يد الموحدين الوهابيين قبل قرنين من الزمان فقط. هل يحق للشيعة المطالبة ببناء أضرحة البقيع المقدسة لدى 15 بالمئة من السعوديين؟ لا يوجد ما يمنع بناء الأضرحة سوى قانون واحد هو التوحيد وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب. والشيعة إذا تمكنوا سيطالبون ببناء الأضرحة المنكسة على قبور أئمتهم في البقيع.

نريد الدخول في حوار حقيقي مع الآخر دون تخدير للوعي. الكاتب والإعلامي الليبرالي السعودي دَاوُد الشريان يظهر على الفضائيات مع مراهق سعودي عمره 17سنة يقول إنه ذهب للجهاد في سوريا، ولكنه عاد بحمد الله بعد توسلات والدته. ويعلن بأنه تأثر بفضائيات سعودية يظهر فيها الشيخ السوري عدنان العرعور وما يبثه من تحريض “طائفي” ودعوة “للجهاد” في سوريا.

ليس عند السنة رئيس جمهورية ورجل دين في نفس الوقت، البابا وروحاني رجلا دين يتمتعان بسلطة في القرن الواحد والعشـرين

ويقول دَاوُد الشريان مخاطبا العرعور “يا أخي ارجع ديرتك ما نبيك، روح ابعث عيالك للجهاد مو عيالنا”، في مشهد مؤثر تتدخل فيه والدة المراهق السعودية بدموعها. طيب ماذا يكون جواب الأستاذ الشريان لو تقدم وزير الخارجية السورية وليد المعلم بسؤال لماذا تبثون برامج تحريض للعرعور وأمثاله من قنواتكم؟ وإذا كنت متأثرا لذهاب مراهق سعودي للموت بسوريا فماذا عن عشرات الآلاف من السوريين الذين حرضهم العرعور الذي ما كان لأحد أن يسمع به لولا السعودية؟ أليس عند المراهقين السوريين أمهات؟ لقد دخل الإعلام العربي في تناقض عجيب.

لا أعرف لماذا يتقاتل السوريون في مثل هذه الحالة؟ فالعالم إما أنه يكره النظام السوري أو يكره الشعب أو الإثنين معا، وفي جميع الأحوال لا أحد يحبهما معا. بعض اللبنانيين المارونيين يقولون باحتقار “شأفة سوري” ويبصقون على الأرض بينما أيام حافظ الأسد كانوا يرتجفون من السوري. وفي الأردن الفضائح بحق السوريين لا تطاق. لقد دخلنا في دوامة مظلمة لا نهاية لها.

وفي العراق أيضا تحولت البلاد إلى هامش، فليس مطلوبا من الهامش الثورة أو التغيير هذه أشياء تمت في المركز وانتهى الأمر. المشكلة الآن هي في تعقيد القانون الدولي الذي يمنع ضم بغداد إلى إيران، وهذا التعقيد تعمل إيران على تبسيطه وجعله ممكنا، وشيعة العراق لا يَرَوْن في ذلك شيئا سيئا. لماذا كل كلام القادة العراقيين أصبح غير مهم؟ لأنهم قادة في بلد أصبح هامشا. المركز حين يتكلم تكون هناك أهمية فالخطير ما يقوله لاريجاني وجنتي وعلي أكبر ولايتي وليس ما يقوله باقر صولاغ وعلاوي ومشعان.

لا نستطيع أن نلقي بأخطائنا كلها على إيران، هذا سلوك مطلقات وحيدات في ليالي الشتاء. عام 1978 أوصى الخميني بنبذ الكفاح المسلح وخاطب 700 ألف ضابط وجندي إيراني قائلا “اقتلونا نحن الشعب الذي يموت في محبتكم” فانهارت القوات المسلحة الإيرانية، وصار الجنود يفرون إلى قراهم بأسلحتهم. بينما البغدادي يقول “جئناكم بالذبح” ومثله شيعة العراق يتلذذون بحرق الجثث ونهب البيوت. أعتقد أنها ذات القبائل العربية المتوحشة كما رأينا في معارك العشائر الشيعية بمحافظة البصرة مؤخرا. لا أعتقد أن إيران هي سبب دموية العراقيين بحق بعضهم البعض. منذ عشرة أيام تم إغلاق صفحاتي على التواصل الاجتماعي، ونحن نتعرض للمضايقة بسبب طرحنا لأسئلة جوهرية في مسألة مصيرنا والصراع مع إيران؟ فنحن حتى لم ننظر إلى احتجاجات كبيرة قدمها مثقفون شيعة عراقيون من قبل.

اليوم يعتقدون أن خامنئي أكثر ثقافة من السيد نوري المالكي والسيد الجعفري والسيد مشعان الجبوري أو أسامة النجيفي مثلا

الشاعر العراقي كمال سبتي مات وحيدا بشقته في هولندا عام 2006 ونقله الرئيس العراقي الراحل الطالباني على نفقته حينها إلى مدينته الناصرية ليتم تشييعه هناك بين أهله. يقول في قصيدته “آخر المدن المقدسة” التي صدرت في التسعينات “لشعراء كذابين، ما قالوا يوما من الجهة الغربية يأتي القتل” وهذه هي المشكلة التي خسرنا بسببها الشيعة العرب، فنحن قلنا لهم إن القتل يأتي من الشرق ومن الفرس المجوس والريح الصفراء ويجب حماية البوابة الشرقية بالدماء، فجاءت الدبابات الأميركية من الجهة الغربية، وجاء الحصار والجوع من الجهة العربية، وجاء داعش والقاعدة من الجهة الغربية.

الخميني عاش في شقّة متواضعة وكان يجلس على الأرض، وهو أشهر قائد شيعي خلال سبعة قرون. وحين مات بنوا له ضريحا جعلوه مزارا للناس كلّف إيران ثمانية مليارات دولار. الشاه بعظمته عاش في قصور ومات بقبر دارس موحش في مصر، على الضفة الأخرى من المتوسط. والرئيس صدام حسين شغل الشعب ببناء قصوره، بينما تم دفنه بقبر مفزع وناحت عليه الغجرية ساجدة عبيد، ونبشه الشيعة عدة مرات وهدموه.

الرسالة هنا تكمن في أن مجد الشيعة لا يزول، ولا ينسون الإساءة، ويبقون على العهد والوفاء لعقيدتهم. ويقولون إنهم مؤيدون برعاية إلهية فكيف يتم شنق السيد محمد باقر الصدر بتاريخ 1980/4/9 بينما يتم سقوط بغداد ونهاية الحكم السني بتاريخ 2003/4/9 يقولون إنها ليست مصادفة.

السبب وجداني وليس عقلاني

موقف تسعة أعضاء برلمان من شيعة الكويت مؤخرا حير العالم، كيف يترددون في إدانة إيران وتأييد السعودية بعد كل الرفاه والعز والنعيم والمواقف السعودية لأجل بلادهم؟ السبب وجداني واضح وليس عقلانيا. عندما كانت صحيفة “صوت الكويت” في تسعينات القرن الماضي تكتب مقالات مسيئة لأهل العراق وشرفهم، وتسوق الدليل بعد الدليل على انفصالهم التام عن العراق، ويقسمون بغربة السياب أن العراقي غريب على الخليج، وبأسوار الطين أن الكويت دونها والعراق “قام سورٌ واحتوتها سكينة” عندما كانوا يشمتون بالجوع والحصار ونقص الدواء ويتضاحكون على اللواتي أكلن بأثدائهن ويقولون “اللهم لا تبق حجرا على حجر” كان شيعة الكويت وشيعة العراق وشيعة البحرين وشيعة السعودية يدرسون البحث الخارج في حوزة واحدة بمدينة قم المقدسة على يد واحد من كبار المراجع الإيرانيين، يتأملون في التاريخ والعقائد والسياسة وفن الخطابة.

كانت إيران تجعل منهم أخوة ومفكرين عقائديين، ومن تلك القمة كانوا يتطلعون إلى ضراوة العرب تجاه بعضهم البعض وشراستهم ضد إخوتهم في اللسان والدين ويستخلصون منها سبب تلك القسوة ضد الإمام الحسين وأهل بيته في كربلاء. لقد كان الشيعة يضمرون احتقارهم لنا، وهذا التعالي الذي يظهره شيعة الكويت بالذات دليل على معرفتهم بمقدار الفرقة والتمزق بين العرب خصوصا.

كاتب عراقي
7