لا نصر من ابتهالات تملأ صفحات الشبكات الاجتماعية

الثلاثاء 2018/01/02

في 24 نوفمبر 2017 اغتال إرهابيون 305 مسلمين مصريين منهم 27 طفلا، في صلاة الجمعة بمسجد الروضة في العريش. وفي غزوة أحد قتل المشركون 70 صحابيا، وأصابوا النبي صلى الله عليه وسلم، وشجوا رأسه، ومثلت هند بنت عتبة بجسد عمه حمزة بن عبدالمطلب، لاكت كبده فلم تستسغها فلفظتها. كان الصحابة شهداء أحد يقاتلون من أجل قضية، أما شهداء مسجد العريش فمسالمون يؤدون فريضة. لم يكن كلا الفريقين من الشهداء ينقصه الإيمان بالله، ولا قصّر في الابتهال إلى الله بهلاك الأعداء. ولكنّ للحياة قانونا ماديا لا يخلي للأمنيات مكانا، ولا ينتصر إلا للقوة، أيا كان نصيب الطرف الأكثر نبلا وإيمانا من الحق المبين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله الذي لا أنسى آياته التي تعدُ المؤمنين بالنصر ما نصروا الله، إذ تقرن هذا بذاك “إن تنصروا الله ينصركم”، “وكان حقا علينا نصر المؤمنين”، “ولينصرن الله من ينصره”. ولا أنسى أيضا أنبياء وقديسين وصحابة ومتصوفة ورهبانا لم يُنقص أيّ منهم إيمانَه بالله، ولا فكر في إيذاء أحد، ولكن حكمة الله قضت أن تكون الغلبة لقوى البطش، بأيدي ظالمين أو مشركين، ولم تحل قوة الإيمان دون القضاء. وليس أعز على الله من السيد المسيح، وقبل أن يسارع أحد بقذفي بيقين “وما قتلوه وما صلبوه”، أسأل ما ذنب ذلك البريء الذي “شبه لهم” لكي يعذبوه ويصلبوه؟ ولكن المسيح، رسول الله وكلمته، لم يكن يمتلك إلا رسالة الرحمة مبشرا بها.

من الإهانة للشهداء أن نقارنهم بالقتلة. تتراءى لي الآن مشاهد لا يرضى بها ولا يحتملها صاحب أي حظ من الآدمية: أرى الإمام الحسين وأهل بيته في مواجهة غير متكافئة مع آلات عسكرية وفقهية يتسلح بها يزيد بن معاوية. وأتخيل مسلم بن عقبة المري قائد جيش يزيد قد أقبل على المدينة، وقتل عبدالله بن حنظلة أمير الأنصار وعمرو بن حزم قاضي المدينة التي استباحها جيش الشام ثلاثة أيام بلياليها، وفي اليوم الرابع أتاه عبدالله بن ربيعة بن الأسود، وجدته أم سلمة زوجة النبي، فطالبه مسلم بالبيعة “على أنكم فيء لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء”، فأبى عبدالله هذه البيعة، فضرب عنقه.

وسوف يذهب الحجاج بن يوسف إلى ما هو أبعد من ضرب الأعناق، وقد حاصر مكة شهرا، ولم يبال بضرب الكعبة بالمنجنيق، إلى أن ظفر بعبدالله بن الزبير، أول مولود في الإسلام، فقتله وصلبه منكسا، وبعث برأسه إلى عبدالملك بن مروان. وذهب عبدالله بن عمر إلى أسماء بنت الصديق يواسيها في ابنها الشهيد، ويذكرها بأن الأرواح تصعد إلى الله، ويحثها على الصبر، فقالت “وما يمنعني من الصبر، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل”، ولكن لذات النطاقين قلب أم، فخرجت وقد فقدت بصرها تلتمس مجلس الحجاج، وسألته وهي تشير إلى ابنها المصلوب الذي لا تراه “أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟”.

تلك حروب ظالمة، تَصارع فيها حقٌ ينصر الله ولا ينتصر، مع قوة تتغلب. انتصر مسلمون طلاب سلطة على مسالمين أصحاب رسالة.

ولا يختلف هذا القانون الدنيوي الخاص بنصرة السلاح إذا التقى في ساحة الصراع مسلم وكافر. أعود إلى غزوة أحد، وفيها أخلّ المسلمون بقانون الحرب، فلم يسعفهم إيمانهم، ولم يغنهم الدعاء على الكافرين، بل كاد النبي يقتل، وما كانت الهزيمة إلا لأن الرماة غرّهم النصر المبدئي، فتركوا مواقعهم في الجبل، قبل حسم المعركة، وتنادوا “الغنيمة الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟”، وكان النصر حليف المشركين الذين قتل منهم 37، وقيل 22.

لم ينتصر المسلمون في الغزوات إلا بالقوة، ولم يشفع لهم إيمانهم في غزوة أحد بقيادة النبي، فنال منهم خالد بن الوليد الذي لم يكن أقرب إلى الله، كما لم يكن هولاكو أحب إلى الله من الخليفة المستعصم، وقد سخر من الخليفة وهو يرشده إلى خزائن المال وحوض مملوء بالذهب، فأمر بحرمانه من الطعام حتى شعر بالجوع، فقدم إليه هولاكو طبقا مملوءا بالذهب. قال الخليفة “كيف يمكن أن آكل الذهب؟”، فرد عليه هولاكو “ما دمت تعرف أن الذهب لا يؤكل، فلم احتفظت به، ولم توزعه على جنودك، حتى يصونوا ملكك الموروث من هجمات هذا الجيش المغير؟ ولماذا لم تحوّل تلك الأبواب الحديدية إلى سهام، وتسرع إلى شاطئ نهر جيحون لتحول دون عبوري؟”، فقال الخليفة “هكذا كان تقدير الله”، فقلد هولاكو خطاب المستعصم وقال “وما سوف يجري عليك إنما هو كذلك تقدير الله”، وقتل الخليفة.

قبل ثلاثين عاما سمعت يوسف القرضاوي في محاضرة بجامعة القاهرة يزهو بنصر أكتوبر 1973، وقال إننا “انتصرنا على اليهود في حرب رمضان حين قلنا: الله أكبر. وقد هزمونا في 1967 لأن شعارنا كان: سيفنا يتحدى القدر”، وتجاهل تفسير الهزيمة بانشغال الجيش بالسياسة، وعدم أهليته للقتال، وانتهج تبسيطا ساذجا يظن معه القارئ أن هزيمة المسلمين في غزوة أحد أيضا سببها شعار “سيفنا يتحدى القدر”. ليست في هذا الظن سخرية أو مبالغة فقد أرجع ليفي أشكول رئيس وزراء العدو هزيمة العرب في يونيو 1967 بأن “الله هو السبب في هذا الانتصار”.

أوقن بأن الله أقرب إلينا من حبل الوريد، ولا ينتظر إغراق صفحات التواصل الاجتماعي برجاء الطيبين أن تحل اللعنات على الصهاينة، فلا استجيب للدعاء ولا كف عنه قليلو الحيلة. ولعل غزارة الأدعية التي صارت بيزنس يجني ثماره وعاظ ومشايخ تدعوك إلى التساؤل، من دون أن تجد في نفسك حرجا: الله مع من؟ وهل ينحاز إلى باغ، ويصمت عن عدوان يبلغ درجة قتل ضعيف؛ رغبة في ابتلائه واختبار قدرته على الصبر؟

أقول قولي هذا وأستغفر الله من أن يتسلل إلى قلبي شك أتحصن منه بحديث “نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: “رب أرني كيف تحيي الموتى”. صدق الله العظيم.

روائي مصري

9