لا نملك أسبوعنا

المبهر في هوكينغ أنه لم يخلد لأمجاد نظرية الانفجار العظيم أو الثقوب السوداء، بل ظل يستنتج ويطرح أفكارا مذهلة حتى موته.
الثلاثاء 2018/03/20
رجل جسمه وشكله ركام بشري حقا

الإنسان قد يملك قوت يومه لكنه لا يملك يومه. هناك أيام لا نملكها وتتحكم في إدارتها قوى أخرى أو أحداث. أسبوعنا هذا من النوع الذي لا نملكه. مهما حاولت أن أفكر وأفر من طوق حدث الأسبوع لا أقدر. أسبوعنا هذا أسبوع ستيفن هوكينغ. البشرية كلها تفكر فيه. لعل هذا هو المقصود بعبارة “يلقي بظلاله”. عالم الفيزياء الكونية يلقي بظلاله على أسبوعنا.
هذا رجل وجوده نفسه، أو لنقل مجرد كينونته، يعني أشياء وأشياء. جسمه وشكله ركام بشري حقا. يشبه سيارة تعرضت لحادث مريع. لا يمكنني حتى تخيّل جسمه، إعاقته تفوق خيالنا وتكشف محدودية قدراتنا على التصور. في داخل هذا التشويه المريع يوجد عقل ثاقب ساطع. يرى ما لا نراه ويفهم ما لا نفهمه. وهذا بالذات ما جعلني أحبه واجعله أيقونة لي.
كان ردّا حيّا ودامغا لمقولة أو حكمة أكرهها. كان وجوده ردّا بليغا على مقولة “العقل السليم في الجسم السليم”، وهي حكمة أدركت سخفها منذ أن سمعتها طفلا. صدّعوا بها رؤوسنا، وكم تنصدع الرؤوس بسبب المقولات الحمقاء.
ننظر حولنا فنرى أصحاب الأجسام الرياضية السليمة في المدرسة وهم مجموعة من البلطجية الأغبياء. معلم التربية الرياضية كان يستقطب كل بليد مؤذ ما دام يركض بسرعة ويعتلي الحصان الخشبي ويقفز من فوقه بيسر شديد. هذه قدرات لا تفيد إلا من يريد أن يصبح حراميا يقفز فوق الأسوار ويركض بسرعة تطارده صفارات الشرطة. هذه قدرات ينفر منها العقل الرشيد فضلا عن العقل السليم.
الطلاب البارعون في المسائل العقلية أجسامهم عادية جدا. التلاميذ الذين يجيدون البلاغة والتعبير ضعفاء البنية وكذلك الضالعون في الحساب. الأوغاد فقط عندهم أجسام سليمة بشكل استثنائي. يكفينا النظر إلى أصحاب الأجسام السليمة في الألعاب الأولمبية فترة انتظارهم دورهم في القفز والركض وما شابه. أعمالهم على الملأ وشاشات التلفزيون كلها بهيمية وغريزية من بصاق إلى مقذوفات من الأنف. راقبوا الجميع ولن تروا عقلا سليما واحدا.
المبهر في هوكينغ أيضا أنه لم يخلد لأمجاد نظرية الانفجار العظيم أو الثقوب السوداء، بل ظل يستنتج ويطرح أفكارا مذهلة حتى موته. تذكرون أن آينشتاين قال ما يريد عام 1905 وبعدها قضى خمسين عاما يعبث ويلعب.
أرقى مرتبة في الفيزياء هي ما يعرف بكرسي إسحاق نيوتن في جامعة كامبريدج. أذكر أني قلت لصديق إن هوكينغ يشغل كرسي إسحاق نيوتن. فقال “لم أكن أدري أن نيوتن كان معاقا”.

24