لا هوية خارج التاريخ.. والطائفية ظاهرة حديثة

الخميس 2014/01/02

من السهل جداً القول بأن الهوية انتصرت على الحداثة، وأن الطوائف لا تتغير ولا تتبدل، وهي قديمة وتتكرر أبدا. وبالتالي تصبح الحداثة بما هي مشروع تاريخي رأسمالي، عَرَضا في بلادنا، بينما هي جوهر في بلاد الغرب؟

من يقرأ الواقع بعين الفكر اليومي، سيقول ذلك تماماً، هذا المنطق يُخلي مسؤولية الطبقات المسيطرة عن أزمات الواقع، فلا تزال تمسك بكامل واقعنا رغم إشاعة الحديث عن الطوائف والهويات وفرادة تاريخنا الطائفي وهكذا، ومجدداً ما السر في أن تلك الطبقات ازدادت ثراءً وتعملقت وأصبحت إقليمية وعالمية، بينما تخلّعت مجتمعاتنا طوائف وعشائر وعائلات ومناطق وسواها، وهل فعلاً البنى الأهلية بنى سياسية؟

الفكر اليومي الذي ما ينفك يردد تلك الواقعة، هو لا يقول شيئاً، فقط ينقل جزءا من الواقع، كان دائماً موجودة فيه الطوائف والهويات والعشائر، ولكنه لم يكن يراها. نعم هو يريد القول بأنّها انتصرت على الحداثة، بينما الواقع يقول غير ذلك، فلا الطوائف ولا العشائر ولا العائلات أصبحت علاقات سياسية، بل هي كما كانت بنى أهلية مستمرة، بينما الذي فَشِل ودفع المجتمع نحو صراعات طائفية وسواها، هي الطبقة المسيطرة، وهذه الطبقة ولأنها طبقة انتهازية وبلا أي مشروع تاريخي وبلا أي تقاليد ثورية، تحاول توظيف البنى الأهلية وجعلها سياسية أي، طائفية وعشائرية ومناطقية في خدمتها، وذلك لإنقاذ نفسها من الانهيار، والمحاصصة في نظام الحكم القادم، حينما يصبح مستحيلاً بقاؤها كطبقة تهيمن على السلطة وعلى الدولة، أي أن الصراع السياسي الذي بدأته الثورات العربية والشعوب العربية من أجل حقوقها، تحاول هذه الطبقات حرفه نحو صراعات طائفية وعشائرية وسواها.

ففي سوريا مثلاً، ورغم حدة الصراع فإن النظام استخدم كل الأساليب الطائفية لإيقاف سقوطه، بل وسمح بخلق النصرة واستجلب داعش من خارج سوريا لقتل الثورة، ولم يستطع ورغم أسماء الكتائب الإسلامية الصادحة، أن يحول الصراع إلى صراع طائفي، وما كل تلك الأسماء الطائفية سوى محاولات من أجل حرف الصراع، وقتل الثورة وتجديد النظام لنفسه.

المدقق فيما يحدث، يلاحظ غياب طائفية أصيلة ورفضا مجتمعيا لها، حيث تتم هجرة الناس إلى مناطق مخالفة لها مذهبياً، والعيش المشترك في كثير من المناطق، فقسم كبير من أهالي حلب وحمص أصبحوا بمدينة طرطوس واللاذقية، وقسم كبير من ريف دمشق أصبح في منطقة جرمانا وسواها، وقسم كبير من داريا أصبح بمنطقة الباردة القريبة من دمشق، وهكذا.

وإذ كنا نرى وندقق ونعرف حجم الممارسات الطائفية لإثارة كل ما هو طائفي، فإن رفض المجتمع لها أيضاً يوضح أن المسألة لا تتجاوز في أصلها ومنتهاها بداية وانتهاء الحرب المفتعلة في طول سوريا وعرضها والأمر ذاته في العراق، وبالتالي في بلادنا حداثة متخلفة، تقودها طبقات اجتماعية متخلفة وهزيلة، وتحاول دفع مجتمعات بأكملها نحو الطائفية من أجل التجديد لنفسها، وكما فشلت الطائفية في لبنان، ولم تقدم أي حل لمشكلاته، ويسعى اللبنانيون إلى بناء مجتمع حداثي تلتغي فية الطائفية؛ حيث يحتكمون معها إلى بعض أفراد لا يتغيرون أبداً؛ كذلك يسعى العراقيون إلى دولة لصالح كل العراقيين، وبالمثل يسعى السوريون.

ولكن سوريا في خطر حقيقي، فكما تشكل النظام السياسي اللبناني كنظام طائفي على يد الفرنسيين، وكما تشكل النظام العراقي الطائفي على يد بريمر ويُصان من قبل إيران، هناك خشية في تشكيل نظام سياسي سوري في جنيف وفقاً للطوائف، فهو سيكون لصالح فئات برجوازية انتهازية وعميلة بالكامل. وسيحولون ثورةً شعبية دفعت ثمن تغيير النظام من دم أبنائها، إلى مجرد مسعى لمحاصصة طائفية.

في سوريا ثورة، دفعتها المعارضة والنظام، نحو العسكرة، وتم تطييف كثير من كتائبها العسكرية، ولكن الشعب إما هُجر أو أصبح لاجئاً في داخل البلاد وخارجها، وهو يسعى نحو نظام لصالح كل السوريين؛ النظامُ يتوسّل كل أشكال العنف الهمجي ليجدد لنفسه في جنيف، وليس بمقدوره ذلك دون لعبة المحاصصات الطائفية القذرة، ولكنها الفخ الذي يجدد له، ويقضي على الثورة لصالح قوى طائفية في المعارضة وفي سواها؛ قوى عملت بكل ما أوتيت لتشوِّه الثورة، فيكون لها مكان في السلطة القادمة.

أوَقفت الحرب أم لم توقف، فإن السوريين، وفي مختلف المدن السورية، معنيون بمستقبلهم، معنيون بمنع تشكل نظام سياسي طائفي، لا يخدمهم بقدر ما يبقي مشكلاتهم قائمة ويجددها بشكل متواتر؛ وما يحاك للسوريين هو بالتحديد نظام أقرب للطائفي، نظام تابع ومطاوع وتسهل السيطرة عليه. وهذا يعني أن ما تهدم وما خرب سوف لن تبدأ عملية حقيقية لإعماره، وربما سيتم ذلك وفق رؤية طائفية بدورها، أقصد وفق تغيير في الديمغرافيا، وهذه مشكلة إضافية، تفتح على ممارسات عنصرية “أبارتايدية”، وقد تكون فكرة الهوية الجديدة المطروحة في هذا السياق الكارثي.

مشكلات السوريين هي في مختلف مناطقهم بما فيها المناطق الساكنة، أي مشكلات الفقر والتهميش والشمولية، وبسبب الحرب التي وظفت فيها الطائفية، فإنّها كلها تضرّرت، وأصبح هدفها الوصول إلى نظام قادر على تلبية احتياجاتها. وهذا لن تحققه سوى الثورة، حينما تتخلص من النظام ومن المعارضة سوية، وهذا سيكون على طاولة أعمالها حالما تبدأ المرحلة الانتقالية.

الطائفية ليست فردية، والهوية ليست ضد التاريخ، بل هي مسائل سياسية استخدمتها الطبقة المسيطرة، ولكنها لا تعبّر عن المجتمع ولا عن التاريخ، وهي مرفوضة مجتمعياً، وموقف الشعب من داعش مثال هام حيث الرفض المجتمعي لها، رغم أن داعش هذه طائفية بالكامل، وتعتمد على عناصر الهوية الدينية، وبالتالي المرفوض مجتمعياً تحويل الطوائف إلى طائفية، والعشائر إلى عشائرية.

إذن ما سمح بتوظيف الطائفية وتظهيرها، هي الطبقات الحاكمة، وستزول الطائفية بإزالتها؛ هذا مسعى الكثير من شعوبنا في سوريا والعراق ولبنان، وبالتالي فالثورات والصراع المستعر يريدان بناء دولة حديثة بالفعل، ولن يغير من هذا الهدف كل محاولات الطبقات الحاكمة والمجموعات الطائفية المستجلبة من الخارج كداعش وحزب الله وغيرهما.


كاتب سوري

8