لا وقت للتقاعد.. اعمل حتى تسقط من الإعياء

يؤكد خبراء أن العديد من نظم المعاشات الحالية لا تتوافق بصورة جيدة مع متطلبات الاقتصاد العالمي ولن يتأتى توفيرها على المدى الطويل، ومن ثمة يتوجّب على الحكومات أن تتحرك للتوصل إلى إيجاد الطريقة المثلى لتكييف أنظمة معاشاتها التقاعدية مع احتياجات المستقبل.
الثلاثاء 2016/03/29
رغيف الخبز.. القتال إلى آخر نفس

لندن - مستقبل قاتم للمتقاعدين في بريطانيا وعموم العالم، رسمه تقرير عن المعاشات التقاعدية، قام به حزب العمال في المملكة المتحدة، وصدرت نتائجه مؤخرا. ويلخّص هذه النتائج مايكل سكابينكر، المحلل في صحيفة فاينانشال تايمز، عبر جملة بدت أقرب إلى الشعار، وهي “‘البديل للادخار من أجل التقاعد هو تأخير التقاعد، ربما إلى أجل غير مسمى”.

هذه الصورة غير المتفائلة للتقرير البريطاني سبق ونقلتها تقارير عديدة دأبت على إصدارها منذ سنوات، تشير إلى أن التغيرات العميقة التي اعترت المجتمعات إلى جانب الطريقة التي يعمل بها الأشخاص في ظل المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وحتى السياسية، تشير إلى أن جميع بلدان العالم تواجه أزمة في المعاشات التقاعدية.

ويحذر المحللون من أن معاشات التقاعد الحكومية تواجه نقصا حادا في التمويل. وهذه الأزمة تطال الدول المتقدمة والنامية، والعربية والغربية، على حد السواء، وإن كان بتفاوت، تحدده طبيعة البلد وسياسته ومشاكله.

وفي مصر مثلا، دعا المحامي خالد علي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصحاب المعاشات إلى الاستمرار في الضغط بقوة على الحكومة لإجبارها على إعادة أموالهم إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وإعطاء الحق لأصحاب المعاشات في إدارتها بأنفسهم.

ودعت تقارير البنك الدولي مختلف الحكومات العربية إلى ضرورة إصلاح أنظمتها الخاصة بالمعاشات التقاعدية، محذرة من أن الضغوط المتزايدة، في هذا الملف، تعني أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة أزمات المجتمعات العربية، خاصة تلك التي تعاني من نمو ديموغرافي كبير وبطالة وضعف في النمو الاقتصادي، والأخطر من ذلك أن عدم الاهتمام بهذا الملف في الوقت المناسب، يعني نقل أعبائه إلى الأجيال القادمة.

كارلوس سليم: بدلا من التقاعد ينبغي على العمال الأكبر سنا أخذ إجازة لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع

وفي الصين يواجه صندوق معاشات التقاعد ضغوطا، تقول الحكومة إنها ستواجهها بوضع خطة في 2017 لرفع سن التقاعد الرسمي. ونقلت وكالة تشاينا نيوز سرفيس، عن جين وي قانج، رئيس البحوث في وزارة الموارد البشرية والأمن الاجتماعي قوله إن تغيير السياسة سيستغرق نحو 5 أعوام.

وفي الوقت الحالي يبلغ سن التقاعد الرسمي لغالبية الرجال 60 عاما وللنساء في الحكومة والشركات الحكومية 55 عاما ولفئات أخرى 50 عاما، ولم يذكر التقرير تفاصيل بشأن التغييرات المزمعة. وقال جين، إن سياسة التقاعد يجب أن تتسم بالمرونة وتأخذ في الاعتبار احتياجات الفئات المختلفة من العاملين ولا تهتم فقط بإيرادات ونفقات صندوق التقاعد.

بدورها، تخطّط فرنسا لرفع سن التقاعد لمواطنيها من 60 عاما إلى 62 عاما في 2018 في محاولة للسيطرة على العجز المتزايد.

ووفقا لمجلس توجيه نظام التقاعد، يتعين على فرنسا تدبير 32.2 مليار يورو (38.9 مليار دولار أميركي) لدفع معاشات المتقاعدين وستحتاج 70.3 مليار يورو (85.1 مليار دولار أميركي) في 2030. وبحلول عام 2020، يمكن أن يشهد نظام التقاعد عجزا قيمته 102 مليار يورو (133.2 مليار دولار أميركي).

وهذه الخطوات التي وصفتها الحكومة الفرنسية بالإصلاحية، طبقتها دول أوروبية أخرى مماثلة، حيث أعلنت ألمانيا عن رفع سن التقاعد من 65 عاما إلى 67 عاما في غضون 2029، وحددت إيطاليا سن التقاعد عند 65 عاما، والسويد عند 61 عاما.

ويحذّر تقرير حزب العمال البريطاني من خطر الافلاس الذي يواجه الآن المعاش التقاعدي محدد المنافع، الذي يقدم تقاعدا مقبولا بالنسبة إلى الأجيال السابقة، مشيرا إلى أنه يتعيّن على المجموعة الحالية من العاملين العمل لسنوات أطول حتى يتجنبوا الوقوع في براثن الفقر عند الوصول إلى سنّ التقاعد أو يصبحون عاجزين عن العمل.

هذا يعني، وفق مايكل سكابينكر، أن المسار الوظيفي التقليدي -الذي يبدأ في أواخر سنوات المراهقة أو أوائل العشرينات (تبعا للمستوى التعليمي)، بحيث يرتقي صاحبه في التسلسل الهرمي ليبلغ ذروته في أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات، ثم يغادر بعد ذلك بعشر سنوات- لم يعد ممكنا تطبيقه بعد الآن. لكن كيف سيتغير؟

60 من كبار السن يعيشون في البلدان النامية، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 80 بالمئة عام 2050

وفي إجابته عن هذا التساؤل، وانطلاقا من المعطيات المطروحة على أرض الواقع، يقدّم سكابينكر خمسة سيناريوهات محتملة:

يقر المشغلّون وأصحاب المؤسسات أن المشكلة تخص الموظّفين والعمّال وليست مشكلتهم: إنهم يفهمون أن المعاشات التقاعدية ليست جيدة كما كانت من قبل، لكن العمّال الأكبر سنا تكون تكلفتهم أكبر ووجودهم يمثل عائقا أمام ترقيات الزملاء الأصغر سنا. والأفضل من ذلك بكثير هو دفع الموظفين الأكبر سنا نحو التقاعد وتجنيبهم الفقر.

سيجد الكثير من أرباب العمل هذا الخيار جذابا، لكن قوانين التمييز في العمر ستجعل أمر تنفيذه صعبا. وبينما يتقدم السكان في العمر، سيكون هناك عدد أقل من الموظفين الشباب ليأخذوا مواقع العمال المتقاعدين؛ وهو أمر ينطبق بالأساس على المجتمعات الأوروبية التي يرتفع فيها معدّل الشيخوخة.

يتقبل كل من أرباب العمل والموظفين فكرة أن الناس سيعملون لفترة أطول وكل شيء يتعلق بحياتهم الوظيفية سيحدث في وقت لاحق: سيحصلون على مرتبة أعلى في التسلسل الهرمي ببطء أكبر مما هو موجود الآن، ما يؤدي إلى حصولهم على تلك الترقية التي تبلغ بهم الذروة في أواخر الخمسينات.

ومن المرجح حدوث شيء من هذا القبيل. فالموظفون غير القادرين على تحمل تكاليف التقاعد سيقاومون المحاولات الرامية إلى إجبارهم على الخروج وترك العمل. والقوى العاملة، في المتوسط، ستصبح أكبر سنا. مواصلة العمل لفترة أطول ستكون أسهل بالنسبة إلى العاملين في وظائف مستقرة من العاملين في الوظائف التي تتطلب جهدا بدنيا. لكن حتى أولئك العاملين في وظائف مستقرة سيبدأون في النهاية بالتباطؤ، وسيصاب العمال الأصغر سنا بالملل كونهم يخضعون لإدارة أشخاص يعتبرونهم طعنوا في السن ولم تعد لهم جدوى.

تأخير سن التقاعد يقدّم عصرا ذهبيا للنساء العاملات: في المملكة المتحدة، اختفت تقريبا فجوة الأجور بين النساء والرجال لمن هم تحت سن 30 عاما. وتتسع هذه الفجوة لأن النساء تنجب الأطفال والرجال يستمرون في السيطرة على مناصب تنفيذية.

إذا استمر الناس في العمل حتى يتقدم بهم العمر، ينبغي أن يتم منح الأمهات المزيد من الفرص للعودة مرة أخرى إلى العمل بدوام كامل إلى حين يكبر أبناؤهن ويقل احتياجهم لهن. كما ينبغي أن يتم منحهن عقدين من الزمن للفوز بمناصب عليا هن محرومات منها الآن.

البديل للادخار من أجل التقاعد هو تأخير التقاعد، ربما إلى أجل غير مسمى

ويعلق مايكل سكابينكر بخصوص هذا السيناريو “المشكلة هي أنه عندما كتبت حول هذا السيناريو التفاؤلي من قبل، أخبرتني بعض النساء بأنهن حاولن تجربته، لكنه لم يكن ناجحا. إن العودة إلى العمل بدوام كامل بعد العمل بدوام جزئي، أو بعد إنهاء إجازة وظيفية تعتبر أمرا صعبا. من الصعب العودة إلى استخدام السلالم المتحركة”.

قد يكون هذا صحيحا، لكن أرباب العمل من المصمّمين على ذلك فعلا يمكنهم إيجاد سبل تتعلق بهذا الأمر مثلا، عن طريق توفير مرشدين لمساعدة النساء في العودة مرة أخرى إلى مسار الترقية.

الشركات تلجأ إلى خيار كارلوس سليم: في العام 2014، قال قطب الاتصالات المكسيكي، إنه بدلا من التقاعد ينبغي على العمال الأكبر سنا أخذ إجازة لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع. الجميع سيستفيد من ذلك؛ حيث تحتفظ الشركة بمهارات العمال الأكبر سنا في الوقت الذي تخفض فيه تكلفة توظيفهم لديها. ويكون لدى العمال المزيد من وقت الفراغ.

ويطبق سليم بالفعل منهجا شبيها باقتراحه، حيث يمنح الحق للعاملين بشركة “تلميكس” للاتصالات، التي جعلت منه ثاني أغنى رجل في العالم، بحسب تقديرات التقاعد في سن الخمسين في بعض الحالات، بحسب الصحيفة البريطانية التي أشارت إلى أن المؤهلين للتقاعد المبكر يمنحون خيار العمل لمدة أربعة أيام في الأسبوع بأجر كامل، لدى بلوغهم سن المعاش.

يبدو هذا السيناريو الأكثر احتمالا، ويوصي به مايكل سكابينكر دون غيره، على الرغم من أنه يعتمد بالتأكيد على كون العمال الأكبر سنا قادرين على تحمل تكاليف التخفيض في ساعات العمل. ويستطيع العمال الأكبر سنا، الذين يعملون لأسابيع أقصر، التراجع عن تولي مناصب عليا. ويمكنهم أيضا أداء وظائف مختلفة للشركة. من ذلك، أوردت فاينانشال تايمز، في تقرير سابق لها أن مديرا سابقا بشركة نيسان في سندرلاند، في الشمال الشرقي لإنكلترا، يبلغ من العمر 67 عاما، ينظم جولات في المصنع التابع للشركة هناك، بعدما تقاعد وانتقل للعمل لدى وكالة خارجية تشرف على إدارة هذه الجولات، وهذا يقودنا إلى السيناريو الأخير.

خطر الافلاس يواجه المعاش التقاعدي محدد المنافع

يشق العمال الأكبر سنا طريقهم في هذا العالم: هذا يتبع الخيار الأول، حيث ترفض الشركات التكيّف مع العالم الجديد وتصر على تقاعد العمال الأكبر سنا على أي حال. وهنا يصبح الناس يعملون لحسابهم الخاص، ويقدمون خدماتهم لأي شخص يدفع لهم مقابل ذلك. ويعلّق سكابينكر على هذا قائلا “أخبرني الكثير من القراء عن أنهم يفعلون ذلك الآن ويشعرون بارتياح شديد”.

ويقول روبرت هولزمان، الخبير بالبنك الدولي، إن الدافع وراء إصلاح المعاشات التقاعدية في معظم البلدان يكمن في مشاكل الميزانية قصيرة المدى المتمثلة في الإبقاء على الأنظمة العامة المكلفة؛ لكن يجب على الحكومات والجهات المسؤولة أن تنتبه أيضا إلى ضرورة معالجة المشاكل الأطول مدى على غرار شيخوخة المجتمعات، والتغير الاجتماعي على مستوى العالم، بالإضافة إلى التغيرات التي تطرأ على الاقتصاد العالمي، وهذه المشاكل مازالت تحتلّ مساحة صغيرة في المناقشات والسياسات.

وأبرز المعنيين بهذه الإصلاحات والمراجعات هي دول العالم النامي، حيث أن ارتفاع عدد كبار السن بات يشكّل مشكلة خاصة داخل هذه المجتمعات، إذ يعيش قرابة 60 بالمئة تقريبا من كبار السن في البلدان النامية، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 80 بالمئة بحلول العام 2050.

وتختلف أزمة الشيخوخة في المجتمعات النامية مقارنة بالمجتمعات المتقدمة وفق إيفون سين، وهي متخصصة في مجال الحماية الاجتماعية بشبكة التنمية البشرية، في كون البلدان النامية يرتفع سن سكانها قبل أن تزداد مواردها وتصبح غنية، على عكس ما يحدث في البلدان المتقدمة، حيث تصبح غنية أولا ثم ترتفع أعمار سكانها.

13