"لا وقت للحب".. حين يعلو عشق الوطن على العلاقات الخاصة

عمل سينمائي للمخرج صلاح أبوسيف يجعل المرأة عقلاً للحرية وقلبا للعمل الوطني ويعلي من دورها كعنصر مساند للقضية الوطنية.
السبت 2019/01/26
قضية سياسية في قالب سينمائي رومانسي

يمتاز فيلم “لا وقت للحب” بوضع فريد بين الأفلام السياسية المصرية، ويجمع بين جرعات عالية من الحماس لقضايا الحرية والتحرر الوطني، وقدر لا بأس به من الرومانسية الشاعرية، ليجسد رغم إنتاجه قبل 56 عاما الجدل المستمر حول ثورات الربيع العربي بين أنصار بقاء الوضع الراهن خوفا من المجهول، وبين مؤيدي التغيير بالتظاهر والقوة مهما كانت النتائج.

يعتبر فيلم “لا وقت للحب” من الأفلام السياسية بامتياز بعدما أطّر لنوع جديد من الحب لم تعتده السينما المصرية، وأعلى من عشق الوطن على العلاقات الخاصة، وراهن على المواطن كعنصر أساسي لتغيير الواقع بكل أطيافه، بين الشباب الثائر المشتعل بنار الحرية، والمرأة الذكية التي تعرف كيف تستغل كيدها لنصرة قضيتها الوطنية، وحتى الأطفال الصغار الذين حوّلوا ألعابهم إلى وسيلة مقاومة شديدة الرمزية.

يتناول الفيلم، الذي تم عرضه عام 1963، الأشهر الأخيرة في مصر الملكية، بأحداثها السياسية والأمنية، بداية من موقعة الإسماعيلية في 25 يناير 1952 التي تتخذها مصر عيدا للشرطة حتى الآن، بعدما رفضت قوات الأمن تسليم أسلحتها للقوات البريطانية وإخلاء مبنى حكومي واندلاع اشتباكات بين الطرفين أسفرت عن مقتل وإصابة 130 شرطيا، وتلاها حادث حريق القاهرة الذي دمر أجزاء من معالم القاهرة التاريخية.

في مشهد الختام ظهرت أهمية تضافر الجهود بين الشعب بكل طوائفه وبين المناضلين الرابضين في الخندق الأول، وخاصة الأطفال الذين ساهموا في استمرار النضال

يعطي عنوان العمل ولقطاته الأولى إيحاءً بأنه رومانسي صرف، بالمهندس حمزة (لعب دوره رشدي أباظة) الذي يتعرف على المعلمة فوزية (فاتن حمامة) في أثناء رحلة مدرسية لمنطقة أهرامات الجيزة فتُعجب به من الوهلة الأولى، لكن الفيلم ينقل تلك العلاقة الناشئة إلى القضية الوطنية ومقاومة الاحتلال البريطاني وجمع التبرعات لشراء السلاح لمقاومته.

يُعلي العمل من دور المرأة كعنصر مساند للقضية الوطنية بتحويلها لوسيلة اتصال بين الفدائيين وتوليها مسؤولية نقل أوراق وملابس البطل من بيته بحيلة ذكية بلفها وراء بطنها واصطناع الحمل للتنكر من مخبري القلم السياسي (السلطة المحلية المهادنة للاحتلال)، وحتى في نقل المتفجرات إلى الفدائيين تحت رقابة القوات البريطانية بوضعها في تابوت واصطناع جنازة وهمية تبارت فيها السيدات على العويل والصراخ على روح ميت مزعوم.

قصة حقيقية

بعصا مايسترو الواقعية المخرج صلاح أبوسيف، تحولت رواية الأديب يوسف إدريس إلى عمل سينمائي خالد، يرتكز على قصة حقيقية لحمزة البسيوني وأحمد رفاعي ورفقائهما من أبطال النضال في منطقة قناة السويس، وعبّر الفيلم عن نشاطهما منذ مشهد البداية بـ”لجنة الكفاح” التي تتمركز في معسكر تدريب بسفح الأهرامات، ربما لتستمد القوة من الماضي وتحميه في الوقت ذاته.

كان حمزة محمد البسيونى الحقيقي، طبيبًا ورحل عن عالمنا عام 2018، وغيّر يوسف إدريس مهنته إلى مهندس إعلاء للمهن الإنتاجية كوسيلة للتقدم بجانب الكفاح للتحرر، بمساعدة رفيقه أحمد الرفاعي، المحامي الثائر الذي تم اعتقاله بعد أن أفلت من الإيقاف مرات عديدة، وتم تحميله مسؤولية نقل الكفاح ضد الاحتلال من منطقة قناة السويس (شرق القاهرة) إلى الريف المصري والوصول بالفكرة إلى الفلاحين محدودي الثقافة في الحقول.

يدور الجدل في أول مشاهد العمل في اجتماع داخل خيمة التدريب حول سبل تصعيد النضال وتحرير البلاد، ويخلص الجميع إلى قناعة مفادها أنه لا سبيل للتحرر من الاحتلال إلا بالمقاومة المسلحة، ليظهر الانفصال بين السياسيين الداعين لمهادنة بريطانيا واقتناص التحرر عبر التفاوض والشباب الذي يريد الحسم، ليتسلل طفل صغير ويتبرع بالمال القليل الذي بحوزته، وكأنه إنذار بأن الأجيال القادمة مستعدة لاستكمال المعركة وحمل مشعل القضية الوطنية.

ينتقل السيناريو إلى حالة من السخونة وجو المطاردات التي عشقها صلاح أبوسيف في أعماله بإعلان الأحكام العرفية واحتلال قوات الجيش القاهرة بأوامر من القصر، ليحمّل المناضلون مسؤولية الحادث الذي دمر أنحاء في القاهرة التي بناها أسلاف الملك فاروق من أبناء محمد علي باشا، على لسان البطل حمزة الذي اعتبرها مكيدة لإسكات الشعب، فكلما ضج بسياسات الاحتلال وأعوانه ويقف لمحاربته تُصطنعُ حادثة لإعلان الأحكام العرفية والزج برموز النضال في السجون.

صلاح أبوسيف، حوّل رواية الأديب يوسف إدريس إلى عمل سينمائي خالد، يرتكز على قصة حقيقية لحمزة البسيوني وأحمد رفاعي ورفقائهما من أبطال النضال في منطقة قناة السويس
صلاح أبوسيف، حوّل رواية الأديب يوسف إدريس إلى عمل سينمائي خالد، يرتكز على قصة حقيقية لحمزة البسيوني وأحمد رفاعي ورفقائهما من أبطال النضال في منطقة قناة السويس

يعلن الفيلم الحرب على السلبية بكل صورها، وفي مشاهد عديدة كان المقاومون يتلقون انتقادات بتضييع حياتهم ومستقبلهم وتحمل مسؤولية انفلات الأمن أو التضييق على حريات المواطنين بإعلان حظر التجوال، ومواجهة مقولة ساخرة دارجة “عشان الشباب بتوع الوطنية  ينبسطوا”، وهي الاتهامات ذاتها التي صادفها الشباب في أحداث الربيع العربي في الوقت الراهن، وما تلاها من كبوات أمنية واقتصادية.

يحمل الفيلم قصفًا لجبهة خيانة القضية الوطنية بجعلها جريمة لا تسقط بالتقادم بجعل قبر الخديوي توفيق الذي سمح للإنكليز بغزو مصر ومنحهم غطاء سياسيا، وباع حصتها في أرباح قناة السويس مكانا للجوء البطل هربا من المطاردة، بل وتمادى في جعله المقر السري للتخطيط والهجوم على قوات الاحتلال بمنطقة الإسماعيلية ومعسكر تجنيد المتطوعين للكفاح.

أراد العمل أن يوجّه تحذيرا لصناع القرار السياسي بأن الموت لن يمنع الشعوب من تحميلهم ذنب السياسات التي اتخذوها، ولن ينعموا بنوم هادئ في قبورهم، فوخز الضمير وصل لقبر توفيق على يد بطل المقاومة ضد الاحتلال الذي جاء ليزاحمه في مستقره الأخير وبنضاله وأفكاره وحيويته المتقدة، ويتبادل القبلات مع عشيقته بجوار رأس الحاكم أسفل الأرض.

وجّه فيلم “لا وقت للحب” رسالة تشير إلى أن الاشتغال بالسياسة لا يعرف طبقة ولا فئة، فالحانوتي (دافن الموتى) يأوي الفدائيين ويبكي لمجرد عرض الأموال عليه للتكتم معتبرا أنها إهانة لا تغتفر، وداعية ترك المنبر وحمل راية الجهاد المسلح، فلا فرق بين أصحاب الياقات البيضاء والزرقاء في حمل السلاح أو الضغط على الزناد طالما كانت القضية واحدة.

للفقراء مكان

يطالب أبناء الفقراء من المتعلمين أن يرفعوا هاماتهم ويفتخروا، فالبطل حين يخبر حبيبته أن والده كان “عسكري دريسة” (هي مهنة متواضعة بالسكك الحديدية)، تطالبه بأن يفخر وأن يهتف له بالعيش لنجاحه في الوصول بابنه إلى كلية الهندسة، رغم أنها من أسرة ميسورة الحال تقطن بجوار وزارة الداخلية في وسط القاهرة.

قدم الفيلم والد البطلة كنموذج لرجل وطني يهاجم سياسات الحكومة الديكتاتورية، ويعطي لابنته سلطة اتخاذ القرار والمبادرة والاستقلالية حتى ولو تعلق القرار بمبيت رجل غريب في منزل الأسرة ليعطي رسالتين، أولاهما اعتماد الشباب على أنفسهم في مواجهة جيل تخاذل أو خارت قواه وانغمس في التسلية، والمرأة يمكنها أن تنضّم إلى العمل الوطني، وتحافظ في الوقت ذاته على شرفها، طالما نشأت في بيت تحكمه الحرية والمسؤولية.

في مشهد الختام، ظهرت أهمية تضافر الجهود بين الشعب بكل طوائفه وبين المناضلين الرابضين في الخندق الأول، خاصة أطفال الجيل القادم، فلعبهم تحولت إلى خطة من ابتكارهم أثمرت عن إنقاذ البطل من فخ شارك في نسجه عدد من الخونة المحليين، وساهموا بشكل أساسي باستمراره في قيادة النضال ضد الاحتلال والتجهيز لجولات أخرى من الكفاح.

بعد هجوم مزدوج للفدائيين خرج الجنود الإنكليز للانتقام وحاصروا حارة خرج منها المهاجمون الذين قتل معظمهم، وبقي البطل حمزة الذي من المفترض أن يعود للحارة، واختبأ الجنود في كل مكان بانتظار وصول أي مناضل وقتله فورًا، ولجأ الأطفال الصغار إلى أغنية: “يا وابور (جرار القطار) يا مولع.. يا وابور شفلك غير دي محطة (ابحث).. أبو وش أحمر زي الشطة (الجنود شقراء البشرة).. هنا وقاعدلك بالنبوت (منتظرك).. طلع نار.. طلع نار.. بينا وبينهم حرب وتار (ثأر)”.. لتنبيه حمزة بشكل غير مباشر.

خلق الإخراج نوعا من التشويق بالتنقل بين حمزة الذي يستعد لدخول الحارة والجنود المرابطين والأطفال الذين انضم إليهم الأهالي في الغناء لمنح أصواتهم الضعيفة المزيد من القوة، وكلما اقترب حمزة زاد القلق والاضطراب قبل أن ينتبه ويفر هاربًا ويترك العمل والنهاية مفتوحة بصورة غير متوقعة، في ظل إنتاج العمل في عهد ثورة يوليو 1952، والتي امتازت كل أعمالها بتمجيد دور الضباط الأحرار.

لم يقدم الفيلم جميع المشتغلين بالقضية الوطنية في صورة ملائكة، بل جعل منهم الخائن الذي يتعاون مع المحتل ضد أقرانه هروبًا من السجن، وهاجم بعض المتخاذلين برحلة البطل الطويلة بحثا عن مكان يحتضنه هروبا من الشرطة، وصولا به إلى المقابر علّه يجد من يؤمن بقضيته، وظهر ذلك جليًا مع صديق له طالب خادمته بأن تخبره بأنه غير موجود.

نجحت الممثلة فاتن حمامة أن تؤدي دور الفتاة التي تجد نفسها مدفوعة باتجاه العمل السياسي من أجل الحب
نجحت الممثلة فاتن حمامة أن تؤدي دور الفتاة التي تجد نفسها مدفوعة باتجاه العمل السياسي من أجل الحب

يحمل عنوان الفيلم “لا وقت للحب” تناقضا مع مضمونه، فالحب هو المحرك الرئيسي لكل مشاهده في حب الوطن والمناضلين والحرية وحب المقاومة والمعاني المغايرة تمامًا التي كانت حاضرة بكره الاستعمار وأعوانه والمتخاذلين والمتعاونين مع المحتل.

ويظهر التناقض ذاته في عدم تقديم الإذاعات المصرية خبرًا واحدًا عن أحداث الإسماعيلية على عكس الإذاعات الإنكليزية التي كانت وسيلة يمكن من خلالها الحصول على الأخبار في مفارقة عجيبة بأن تتلقى أخبار بلدك من العدو الرئيسي لها.

نجح الفنان رشدي أباظة في تقديم دور المناضل الوطني المتفرغ لقضية بلاده، قليل الكلام وكثير الفعل، واستطاعت فاتن حمامة أن تؤدي دور الفتاة التي تجد نفسها مدفوعة باتجاه العمل بالسياسة من أجل الحب، وكان أداؤهما دفة الجمهور للتغاضي عن مشهد تهريب المتفجرات في تابوت تم تقديمه من قبل كتهريب الخمور في فيلم “البعض يحبونها ساخنة” وفي فيلم “سوق السلاح”.

كان الفيلم الظهور الأول لرسام الكاريكاتير صلاح جاهين كممثل، ولعب دور “بدير” المحامي الذي يعيش من أجل ملذات المأكل والمشرب، واقتناء واستهلاك أحدث ما ينتجه الغرب والتفاخر بنجاحاته بإنتاج مكنسة كهربائية أو امتلاكه ثلاجة حديثة ممتلئة بالعصائر، والذي يمثل للبطل ملجأ مستمرًا للهروب قبل أن يطرده من شقته لعشقهما الفتاة ذاتها ويعاود مطالبا الصفح بإعلان مستتر يطالبه بالعودة إليه معليا “الصداقة على الحب”.

اعتقد كثيرون أن تلك الشخصية التي ظهر بها صلاح جاهين الأقرب لشخصيته في الحياة، وهو ما نفاه بهاء صلاح جاهين (ابنه) في إحدى الندوات التي تناولت الفيلم، ومشاعر الجموح كانت فترة حقيقية من حياته وعبّر عنها في الفيلم على لسان بدير حين قال “أنا العصفور الطليق”، قبل أن يعاني من نوع من الصدمة الانعزالية بسبب نكسة عام 1967.

من المفارقات أن يكون كاتب السيناريو في الفيلم هو لوسيان لامبير السيناريست المصري من أصول أجنبية، والذي ظل معروفا في السينما المصرية بأعمال كوميدية من قبيل “عفريت مراتي” و”المجانين في نعيم” و”عائلة زيزي” و”الأشقياء الثلاث”، لكن روح الدعابة لم تغادر فيلم “لا وقت للحب” والتي ظهرت في سؤال الحانوتي للمقاومين عن عدد القتلى في جنود الاحتلال ليخبروه بأنهم قرابة الثلاثمئة فيبدي حسرته قائلاً: من الذي سيدفنهم؟

يعتبر الفيلم رسالة تقدير لأهالي منطقة قناة السويس الذين عانوا طوال حياتهم واكتملت معاناتهم بالعدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في العام 1956، فالمقاومة الشعبية في المنطقة تبنت المقاومة

حتى تدخلت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرار بوقف القتال تبعه إنذار من الاتحاد السوفيتي (السابق) واستهجان الولايات المتحدة وقبول المعتدين بالانسحاب من بورسعيد بعد تدمير معظم بنيتها التحتية وتهجير الكثير من أهلها.

حرص يوسف إدريس ولوسيان لامبير في العمل على توضيح أنه لا مكان لتجار الدين في المشهد النضالي، ولا فرق بين مسلم أو مسيحي في أدوار المواجهة، والثوار لم يفكروا في اللجوء إلى المسجد المواجه لمصنع الثلج للهروب من المطاردين الأجانب، لأن للمسجد قدسيته التي لا يجب تدنيسها بالسياسة وأعمالها، حتى لو كانت النتيجة الموت أو الاعتقال.

16