لا يحتاج الفلسطينيون إلى مَن يكذب عليهم

السادات قبِل أن يكون منبوذا من قبل العرب في مقابل أن يجنب مصر الاستمرار في حرب عبثية لم يكن أحد يومها ليجرؤ على النظر إليه باعتباره رجل الحقيقة الوفي.
الجمعة 2020/09/18
السلطة تتاجر بضياعها

“غير إقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل على أساس حل القضية الفلسطينية، ماذا لديك؟” سألني أحد الأصدقاء بعد أن توهم أنني سأحتج على حماسته.

قلت له “ليس الأمر كذلك. فالمسألة لا تتعلق بالاضطرار وغياب البدائل بقدر ما تتعلق بالعثور على ما هو صحيح ليكون بديلا عما هو قائم منذ أكثر من ثمانين سنة من غير أن نهتدي إلى الطرق التي في إمكانها أن تقودنا إلى الموقع الذي يمكننا فيه أن نقول بأن مشكلاتنا في طريقها إلى الحل”.

ولكن متى يحدث ذلك؟

لقد حاربنا. هُزمنا وانتصرنا. فقدنا أرضا واستعدنا جزءا منها. غير أن فلسطين التاريخية لا تزال محتلة. تلك هي وجهة نظرنا أما وجهة نظر عدونا فهي تضع الصراع على ميزان آخر. ذلك ما كان السياسيون الفلسطينيون يتفهمونه أكثر من إخوتهم العرب.

كان اتفاق أوسلو خيانة وقبله كان أنور السادات خائنا.

ذلك ما قاله العرب. هم في ذلك إنما يكررون جملا تقليدية كانت قوية من جهة تأثيرها العاطفي غير أنها لا تنتمي إلى الحقيقة في أيّ حال من أحوالها.

فهل اهتدى السادات إلى الحقيقة يوم قرر الذهاب إلى إسرائيل وحيدا؟ لقد قبِل الرئيس المصري أن يكون منبوذا من قبل العرب في مقابل أن يجنب مصر الاستمرار في حرب عبثية لا نهاية لها. لم يكن أحد يومها ليجرؤ على النظر إلى السادات باعتباره رجل الحقيقة الوفي.

راهن السادات على مصر التي تستعيد ممتلكاتها المغتصبة عن طريق السلام. لقد انتهت الحرب. ذلك ما قرره السادات وما صار نوعا من الواقع.

حرر السادات الفلسطينيين من الكثير من أسباب الحرج. لقد أخرجهم من قمقم المقاومة وجعلهم يندفعون بإيجابية كانوا يعتقدون أنها طريقهم إلى الحصول على المعونات الدولية.

تلك مشكلة فلسطينية.

لقد تغيّر كل ما يحيط بالقضية الفلسطينية. فهل يُعقل أن تظل القضية على حالها؟ ذلك أمر صعب. كان اتفاق أوسلو بمثابة إعلان لنهاية حقبة التردد بين الحرب والسلم. صنع السادات سلما، يمكن اعتباره خرافيا لولا أن الفلسطينيين استفادوا منه ليصنعوا سلامهم الواقعي.

فشل الفلسطينيون في إقامة دولتهم. لم يكن تخليهم عن خيار الكفاح المسلح هو السبب. ولم يكن ذلك السبب هو اعترافهم بإسرائيل دولة قائمة. لقد فشلوا لأنهم لم يكونوا راغبين في إقامة دولة. وهنا أقصد الطبقة السياسية التي لا يزال بعض رموزها مصرا على ترديد الجمل الثورية. حتى إسرائيل ترفض أن تعترف بأن فلسطينيي السلطة لا يرغبون في إقامة دولة فلسطينية ستكون عبئا عليهم وستحول بينهم وبين ممارسة عمليات فساد لا يمكن التخلي عنها.

لقد اكتشف الكثيرون أن السلطة تتاجر بضياعها.

فالسلطة لا تريد إقامة دولة فلسطينية وهي في الوقت نفسه لا تريد تفاهما عربيا إسرائيليا. ذلك ما ينعشها بالأموال ويضعها بعيدا عن الحرج بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

سنستمر إلى ما لا نهاية وهي لا نهاية تصلح أن تكون مستقرا لحكومة لن تكون موقع مساءلة. فهي حكومة لا تفعل ما تريد بل إنها لا تفعل أي شيء.

لم يقل العرب للسلطة “لقد تعبنا”.

كان على الفلسطينيين أن يدركوا أن الآخرين قد تعبوا. لن يكون التعب هو السبب الوحيد. فالدول تفعل ما تراه مناسبا لسيادتها. وهي إذ ترى في العلاقات الطبيعية بإسرائيل حلا للمشكلة الفلسطينية فلأنها صارت على يقين من أن السلطة لم تعد تصلح لتمثيل الشعب الفلسطيني.

لقد انتهى اتفاق أوسلو ومعه انتهت السلطة، وصار على الفلسطينيين أن يبحثوا عن حلول أخرى، لا أن يكتفوا بتمثيل دور المراقب السلبي.

8