لا يدوم اغترابي

الأربعاء 2015/04/01

بنسمة من صوتها الملائكيّ تأخذني إليك فيروز.. إلى تلك الصباحات النديّـة بالمسك والمحبة.. يوم كان صوتها وحبنا كفة ميزان تعادل كفة الموت حولنا.. حين كنا بها وبنا نتشبث لنقول للعالم إننا على قيد الجمال..

“لا يدوم اغترابي.. لا غناء لنا يدوم.. فانهضي في غيابي.. واتبعيني إلى الكروم”..

حاولت أن أتبعك.. فتعثرت بخيط يوم يشدّني إليه ويبعدني عنك.. ولم يخطر ببالي أنك قد تتلاشى.. لكنك تلاشيت عني!.. أعلم أنك لم تقرّر.. لكنهم أخذوك مني.. وحينما أفرغ البكاء قواريره واستنفد مجراه.. جلست على ضفة الشوق أنتظر حلما أو لحظات كشف تتبدى فيها أمامي لأحكي لك وتسمعني كما كنت تفعل دائما..

ألم أقل لك قبلا أنني أدمنت حديثي إليك؟!.. كاد أن يسرقني منك سواك.. لكنه، إذ أفلح لوهلة، استسلم بعدها لغربة يومه وانشغاله.. فما من أحد يملك طاقة قلبك على احتضاني.. ولو أنك كنت تسمعني فحسب لما أوجعني التلاشي.. فلم يعد يجدي أن أقول فقط.. باتت أعضائي بأمسّ الشوق إلى لحظة من نبيذ صوتك.. لذلك الرحيق الذي كنت أشربه مثل إكسير حياة يجعل مني أقوى امرأة في العالم!..

لا أحد حولي يجعلني أحس إنني كذلك إلاك!.. الكلّ عابرون.. الكل جسور وقناطر أخطو بها إلى بعض الضفاف وما أن أتلفت حولي حتى: لا أحد!.. كم موحش أن يحيط بك كل البشر وأنت خاو وحيد!..

فمن لي بصوتك!.. أملك من الأسئلة ما لا يملك عنها جوابا سواك.. وأملك من الحاضر ما لا قبـل لأحد بشراكته إلاك.. وأملك من الماضي ما فاتني أن تسمعه مني.. فهل أستعين بتوحدّنا فأستحضرك مثلما كنت تفعل؟.. ها قد أشعلت شموعي وأوقدت بخورك وفتحت شبابيك النهار علّها تأتيني بشيء منك إثـر بوحي.. فدعني أبوح.. دعني أحدثك قليلا.. فقد أشمّ نبرتك في هوائي فأستعيد قواي.. ولن أطمع بالمزيد..

هل قلت أنني لم يغنني عنك عشق أو وجد أو رجل؟.. فكيف لي أن أستبدل بك سواك وقد كنت بحرا؟.. ترنّ في أُذني ضحكتك العالية وأنت تجلجل معترضا “ولكنك لست يابسة!”.. (هل بدأ صوتك يتسرّب في هوائي مثل نسمة بحر عليلة؟.. أم هي ذاكرت التي تـذكي هلوستي بك؟)..

بلى لقد كنت بحري ولم أكن يابستك!.. كنت ريانة القلب يانعة الروح بضّة المشاعر.. كنت مورقة حبا وامتلاء حين كان عشبك وسادتي وزبدك خمرتي.. كنت أُراقص الهواء فرحا على إيقاع ضربات قلبي إذ أكون لديك.. كنت امرأة حريقك ومولاة سكينتك!.. هكذا كنت “تسمي لي الأسماء كلها”.. عشتارك كنت بعد أن عمـّدتـني بالقـبل وتوجتـني على عرش مملكتك..

هل قلت إنني لم أجد في أحد ما وجدت فيك؟.. تتلوّن السماء ألف مرة وتستبدل وجوهها الأرض وتغيّر الأشجار والبيوت ألوانها وأمزجتها وما من أحد يشبه هوسي بك!..

“هيّـئيها الدنانا.. كرمنا بعد في رباه.. يوم تبكي سمانا.. نشبع القلب والشفاه”..

أن تـشبع قلبي مرة.. فهذا يعني أنني لن أجوع بعدك عمرا.. وإذ رويت شفاهي ذات وجد فقد بقيت بك سكرى ولن أصحو منك أبدا..

ولن أكون “يابسة”!.. ولن “يدوم اغترابي”.. مادمت أنت فيّ..

“لا يدوم اغترابي”: قصيدة للشاعر فايز خضور.. لحنها الأخوان رحباني وغنتها فيروز.

21