لا يفل الحديد إلا بالحديد.. شخصية سوداوية لمحاربة الشائعات في مصر

"عم ضياء" ممثل مغمور اختارته الحكومة شعارا لحملتها الإعلانية بعد أن نصّبه الشباب رمزا للكآبة.
الخميس 2018/08/16
الحكومة تستثمر بطل الكآبة

القاهرة – اختارت الحكومة المصرية شخصية درامية متشائمة، اعتبرها الشباب تمثل حياتهم البائسة، لتكون بطلة حملة إعلانية هدفها مواجهة الشائعات التي تطال برنامج الإصلاحات التي تتبناها الدولة، والترويج لمستقبل أفضل لحياة المصريين، بعد أن لاقت رواجا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتحت شعار “الشائعات تحولك إلى عم ضياء في ثوان”، بثت وسائل الإعلام في مصر مقاطع فيديو ضمن حملة لمواجهة الشائعات معتمدة على شخصية شديدة التشاؤم تضمنها مسلسل “الوصية”، لعامل بوفيه بإحدى الشركات، يدعي “ضياء” مثّل دوره الفنان محمد جمعة، يسيطر الموت على تفكيره، ويختم حديثه دائما بعبارة “كله رايح”.

وجاءت الحملة التي أعد مادتها الصحافية موقع “اليوم السابع” وموقع “دوت مصر”، وتبنتها الحكومة بتعميمها على التلفزيون الرسمي، عقب تزايد الشائعات وعدم وجود إجابات وافية على بعض الأسئلة التي تدور في أذهان المواطنين، ما ضاعف من الشكوك في نواياها. وذلك بعد أن اشتكى الرئيس عبدالفتاح السيسي من أن البلاد واجهت نحو 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر فقط.

واعتمدت الحملة على المثل الشهير “لا يفل الحديد إلا بالحديد”، فقررت اختيار نموذج شهير على مواقع التواصل رأى فيه الشباب مثلا لمرحلة اتسمت بالسوداوية والإحباط ليكون الوسيلة الترويجية للتوعية بخطورة ما ينشر من أخبار غير صحيحة والتأكيد أن مصر تسير على الطريق الصحيح.

يؤكد الخبراء أن استغلال شخصية “ضياء” الكئيبة، على اعتبار أنها ستنفر الجمهور من الشائعات، في غير محلها، لأن الشخصية ارتبطت في أذهان الناس بالتشاؤم ونجحت في التأثير وتحقيق غرضها، لأن الشباب تبنوها للتعبير عن حالهم.

الحكومة تعتبر الشائعات سلاحًا ضمن “حرب نفسية” تتعرض لها من قبل جماعة الإخوان المسلمين منذ إزاحتها عن السلطة العام 2013

وتقول سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، الحكومة تسعي لاستغلال شخصية درامية ناجحة تركت انطباعات لدى الجمهور في مواجهة مشكلة مزمنة مثل الشائعات، لا يعرف أحد مصدرها بالضبط وتتضخم حتى باتت الحكومة تخصص يومًا يطلق عليه “يوم النفي” للرد عليها.

وتتشابه الحملة الحالية مع حملة أخرى حققت نجاحا كبيرا، عندما استعانت الحكومة بالممثل محمد شومان، بعد نجاحه في دور مستورد فوانيس متشائم في فيلم “فول الصين العظيم” عام 2004 مع محمد هنيدي، ليتولى بعدها بعام حملة إعلانية هدفها الترويج لقانوني ضرائب، وساهمت في زيادة الحصيلة الضريبية في حينه بنسبة 176 بالمئة.

وتندرج الشائعات التي تنتشر في مصر ضمن فئة “الخوف واليأس” وترتبط بأوقات الأزمات، استغلالا لحالة المواطن النفسية، ويزداد نشاطها مع غياب الإعلام الصادق والبيانات الموثوق فيها، والغموض الذي يكتنف القرارات الحكومية.

وتوضح عثمان، لـ“العرب”، أن الحكومة تتحمل المسؤولية بسبب عدم توفير المعلومات الصحيحة، بما يفتح المجال لانتشار الشائعات، وبدلا من النفي المتكرر يصبح وجود خط اتصال مباشر مع المصادر الرسمية وسيلة لتوفير معلومات ومنع الشائعات.

وتوجد شكوى مستمرة لدى وسائل الإعلام من عدم أداء مراكز الاتصال بالوزارات لدورها واعتبار أن مهمتها فقط حماية المسؤول من الإعلام وعزله تحاشيا لوقوعه في الخطأ وليس تسهيل الحوار معه، بجانب عجزها عن التعليق أو إصدار بيانات توضيحية، إلا بعد الرجوع للمسؤول والحصول على موافقته المسبقة.

ويعيش الإعلام في مصر كبوة كبيرة في حرية تداول المعلومات والحصول عليها من الجهات الرسمية، ورغم تأكيدات الحكومة أن الباب مفتوح للوصول إلى المعلومات التي تهم المواطن، لكن المسؤولين يخشون دائما من أن يساهم تدقيق الأرقام في تشويه صورتهم.

ويمتلك مجلس الوزراء جهازا يحمل اسم “مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار”، يتولى الرد على الشائعات، لكن يغلب عليه الروتين والبيروقراطية وطول الوقت الذي يستهلكه للرد على الأخبار الكاذبة، وهو ما لا يتماشى مع سرعة انتشارها.

سهير عثمان: الحكومة تتحمل المسؤولية بسبب عدم توفير المعلومات مما يفتح المجال للشائعات
سهير عثمان: الحكومة تتحمل المسؤولية بسبب عدم توفير المعلومات مما يفتح المجال للشائعات

وتعتبر الحكومة الشائعات سلاحًا ضمن “حرب نفسية” تتعرض لها من قبل جماعة الإخوان المسلمين منذ إزاحتها عن السلطة العام 2013، لكنها تواجه أزمة أيضا في تحديد الدور الذي يجب أن يلعبه الإعلام الذي يتبنى الدعاية لها، دون التطرق لأي سلبيات في المجتمع، ما يعطي مساحات للتشكيك في المصداقية.

وتواجه حملة “عم ضياء” ذاتها مخاوف من إمكانية تحولها إلى النقيض، فنجاح تلك الشخصية بين الجمهور، دليل على تعلقه بها وتعبيرها عن مزاج الشارع، وتفقد الدور المُنفر الذي تسعى الحكومة لاستثماره، على غرار تعلق الجمهور ببعض النجوم الذين قدموا الشر في إطار كوميدي، ما يفقد النموذج السلبي الوارد في الحملة مآربه.

ويرى الخبراء أن توظيف تلك الشخصية على اعتبارها “منفرة” أمر يثير الدهشة بعدما باتت محبوبة من الجمهور، فالإفراط في توظيفها ضمن العمل الدرامي بتشاؤم وفي الأوقات التي يفترض أنها سعيدة، جعلها محبوبة.

وتضيف عثمان أن إقحام مواقع التواصل على أنها مصدر الشائعات لن يأتي بثماره، فعلى مدار 12 عاما منذ بداية استخدام فيسبوك في مصر، باعتباره أداة اتصال جماهيرية، لا تزال الاتهامات متكررة دون تطوير في دور المنظومة الإعلامية.

ويعتبر الفنان محمد جمعة، الذي يؤدي شخصية “عم ضياء” أنها مستمدة من وحي الكآبة التي مرت عليه خلال حياته وتأثيرها كبير، وتوظيفها في مواجهة الشائعات كشخصية “منفرة” فكرة جيدة.

ويشير جمعة، والذي يبلغ 41 عامًا، إلى المعاناة التي عاشها داخل الوسط الفني، فأول أعماله تعود لعام 1995 مع مسرحية “دستور يا أسيادنا” بطولة الفنان أحمد بدير، لكنه ظل يشارك في أدوار صغيرة بينها لقطة وحيدة بـ”عمارة يعقوبيان” عام 2006، وعلى مدار 23 عاما لم يعرف اسمه الجمهور، حتى جاء دور “عم ضياء” ليغير حياته رأسا على عقب.

ويؤكد لـ”العرب”، أنه رفض عرضين بإعادة تقديم هذه الشخصية في فيلم ومسلسل، لأنها حققت المرجو منها دراميا وإعادتها من خلال عمل جديد تحتمل الفشل ويضيع معها رونق الشخصية الذي لم يتوقع لها النجاح الكبير.

18